الكاهن طوني حنّة: لماذا ضُربت كنيسة القوزح؟

5 دقائق للقراءة

كتب كاهن رعيّة مار يوسف – القوزح، الخوري طوني حنّة:

أيّها السادة أصحاب الضمائر الحيّة،

أيّها المؤمنون بقيمة الإنسان وكرامته،

أيّها الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحقّ لا يموت وإن تعثّر، وأنّ العدالة لا تسقط وإن تأخّرت...

أيّها المسؤولون عن الإنسان والإنسانية...

أيّتها الجمعيات والمؤسّسات الدينية والمدنية، حتّى الملحدة منها...

أتوجّه إليكم اليوم، لا بصفتي كاهن رعيّة فحسب، بل بصفتي إنسانًا يحمل وجع شعبي، ويحمل وجع أبنائي الذين خرجوا من بيوتهم، وليس لديهم سوى ثياب تستر عريهم، ويقف أمام ركام كنيسة وبيوت وأحلام تحطّمت، ويسأل باسم أبنائه سؤالًا واحدًا: ما هو ذنبنا؟

هل ذنبنا رفضنا ترك أرضنا؟ بلدنا؟ بيوتنا؟

أم رفضنا حربًا لا تعنينا؟ أم رفضنا جعل أبنائنا وقودًا لنيران حروب الآخرين على أرضنا، وتقديمهم ذبائح على مذابح الآلهة؟

ما هو ذنب رعيّتنا التي كانت آمنة، تصلّي لله وترفع البخور والسلام؟

ما هو ذنب العائلات التي كانت تنام مطمئنّة في بيوتها، قبل أن تستيقظ على الخوف والدمار؟

ما هو ذنب كنيسة مار يوسف القوزح التي لم تكن سوى بيت صلاة ومكان لقاء بين الإنسان وربّه؟

إنّنا نسأل اليوم بمرارة وصدق: لماذا حصل ما حصل؟

لقد كانت دور العبادة في منطقتنا، على اختلاف انتماءاتها، موضع احترام وتحييد، لأنّها بيوت لله قبل أن تكون حجارة أو أبنية.

فلماذا ضُربت كنيسة القوزح؟

ولماذا امتدّت يد الخراب إلى مكان لم يحمل يومًا سوى رسالة الصلاة والسلام والمحبّة؟

إنّنا نرفض أن يتحوّل بيت الله إلى ساحة صراع، ونرفض أن يصبح المؤمنون الأبرياء وقودًا لحروب لم يختاروها.

فالكنيسة لم تكن يومًا موقعًا عسكريًا، ولم تكن يومًا منبرًا للكراهية، بل كانت دائمًا مكانًا يجتمع فيه الناس على المحبّة والغفران والرجاء.

إنّ ما جرى لم يدمّر حجارة الكنيسة فحسب، بل أصاب قلوب أبنائها الذين أحبّوا هذا المكان وعاشوا فيه أجمل لحظات إيمانهم.

ومع ذلك، فإنّنا نؤمن بأنّ من يهدم الحجر لا يستطيع أن يهدم البشر، ومن يدمّر الجدران لا يستطيع أن يقتل الإيمان.

لقد قال الرب يسوع: «... أبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16: 18).

وهذه الآية ليست وعدًا لكنيسة من حجر، بل لكنيسة من مؤمنين أحياء يحملون المسيح في قلوبهم.

إنّ الكنيسة الحقيقية هي كلّ مؤمن معمّد يتمسّك بإيمانه رغم التجارب.

هي الأم التي تصلّي من أجل أولادها وسط الخوف.

وهي الأب الذي يزرع الرجاء في بيته رغم الخراب.

وهي الشاب الذي يرفض مغادرة إيمانه مهما اشتدّت العواصف.

أيّها الأصدقاء، إنّنا لا نرفع هذا النداء من موقع الكراهية أو الاتّهام، بل من موقع الألم والبحث عن الحقيقة.

نقول لكلّ من يملك ضميرًا حيًّا: قفوا مع الإنسان قبل السياسة، ومع العدالة قبل المصالح، ومع الحقّ قبل الحسابات الضيّقة.

إنّ السؤال الذي يردّده كثيرون اليوم بمرارة هو:

هل حدث ما حدث لأنّنا مسيحيون؟

ونحن نرفض أن يكون الانتماء الديني سببًا للظلم أو للاستهداف أو للتمييز.

(بكلّ أسف، نعم).

فالإنسان يُكرَّم بإنسانيّته أوّلًا، والله لم يخلق البشر ليتقاتلوا، بل ليعيشوا إخوة على هذه الأرض.

لقد تعلّمنا من تاريخ لبنان أنّ قوّته كانت دائمًا في تنوّعه، وأنّ الجنوب لم يكن يومًا أرضًا لطائفة واحدة، بل أرضًا لأبناء الوطن جميعًا.

ومن هنا، فإنّ الدفاع عن كنيسة القوزح ليس دفاعًا عن المسيحيين وحدهم، بل دفاع عن حقّ كلّ إنسان في أن يصلّي بأمان وأن يعيش بكرامة.

نحن نعلم أنّ أعداء الوطن ليسوا فقط أولئك الذين يأتون من الخارج، بل أيضًا كلّ من يزرع الانقسام والكراهية والخوف بين أبناء الوطن الواحد.

ونقول لمن قالوا إنّهم يحمون الكنائس: أنتم دمّرتموها وقصفتموها بحجج واهية...

فالعدوّ الحقيقي هو الفكر الذي يبرّر الظلم، والعقل الذي يبرّر الاعتداء على الأبرياء، والضمير الذي يصمت أمام الحقيقة.

لكنّنا، رغم كلّ شيء، لن نستسلم للمرارة.

لن نسمح للخراب بأن يكون الكلمة الأخيرة.

ولن نسمح للركام بأن يسرق منّا الرجاء.

سنعيد بناء كنيسة القوزح، لأنّها ليست مجرّد حجارة، بل ذاكرة أجيال وصلوات شعب.

وسنعيد بناء بيوتنا، لأنّ الأرض التي باركها الله لا تُترك.

وسنبقى متمسّكين بوطننا، لأنّ جذورنا أعمق من كلّ محاولات الاقتلاع.

سنحمل الإنجيل في أيدينا بدلًا من مشاعر الانتقام.

وسنحمل القربان في قلوبنا بدلًا من روح الحقد.

وسنبقى نؤمن بأنّ المحبّة أقوى من الكراهية، بل أقوى من الموت، وأنّ الحقّ أقوى من الظلم، وأنّ القيامة تأتي دائمًا بعد الجمعة العظيمة.

أيّها الأحبّة، إنّ الجنوب الذي عرف الشهادة يعرف أيضًا القيامة.

والكنيسة التي اجتازت قرونًا من المحن لن تسقط اليوم.

والشعب الذي صمد في وجه التجارب سيبقى واقفًا، لأنّ المسيح هو صخرته.

ومن بين الحجارة المهدّمة سنرفع الصلاة،

ومن بين الدموع سنولّد الرجاء،

ومن بين الجراح سنبني المستقبل.

ونقول لكلّ من يسمع صوتنا اليوم:

لا للخراب.

لا لاستباحة دور العبادة.

لا لاستهداف الأبرياء.

لا لتحويل الإيمان إلى تهمة.

لا، ولم، ولن نقبل بالحرب في بلدنا... وفي ضيعتنا...

ولسنا عملاء...

نعم للإنسان.

نعم للعدالة.

نعم للسلام.

نعم للبنان الذي يتّسع لجميع أبنائه.

وسيظلّ إيماننا ثابتًا، لأنّ الذي قال: «ها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20)، ما زال حاضرًا بيننا، يقوّينا ويقودنا نحو فجر جديد...

ستنتهي الحرب، وينتهي فاعلوها، ويأتي السلام...

«سلامي لكم، سلامي أعطيكم، لا كما يعطي العالم...»