شاركت بيتي هندي في "المنتدى الوطني للسيادة: لبنان أولًا… وأخيرًا" إلى جانب عدد من الشخصيّات السياسيّة والقانونيّة والإعلاميّة والأكاديميّة، وألقت كلمة جاء فيها:
"ؤْتَمَرُ اليَوْمِ بَالِغُ الأَهَمِّيَّةِ، لَكِنِ اسْمَحُوا لِي أَنْ أَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تَبْدَأَ المُوَاجَهَةُ: مِنَ السِّلَاحِ الإِيرَانِيِّ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ حَمَلَةِ هَذَا السِّلَاحِ، وُصُولًا إِلَى مَن يُوَفِّرُونَ لَهُ الغِطَاءَ السِّيَاسِيَّ، وَيَمْنَعُونَ قِيَامَ الدَّوْلَةِ.
عِنْدَمَا انْتُخِبَ جُوزَاف عَوْن رَئِيسًا لِلْجُمْهُورِيَّةِ، اعْتَقَدْنَا أَنَّ لُبْنَانَ أَمَامَ فُرْصَةٍ تَارِيخِيَّةٍ. حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْنَا أَنَّ الأُمَمَ المُتَّحِدَةَ وَالخَارِجِيَّةَ الأَمِيرِكِيَّةَ نَقَلَتَا مَقَرَّيْهِمَا إِلَى قَصْرِ بَعْبَدَا!
لَكِنَّ الفُرْصَةَ الَّتِي وُضِعَتْ أَمَامَنَا عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ، بَدَأْنَا نُبَدِّدُهَا. لَا لِأَنَّ الفُرَصَ غَابَتْ، بَلْ لِأَنَّ الجُرْأَةَ عَلَى اقْتِنَاصِهَا غَابَتْ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ!
لُبْنَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَئِيسٍ تَبْتَلِعُهُ التَّوَازُنَاتُ، وَلَا إِلَى مَسْؤُولٍ تُسْقِطُهُ التَّسْوِيَاتُ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ.
فَالبُطُولَةُ لَيْسَتْ فِي الوُصُولِ إِلَى المَنْصِبِ، بَلْ فِي امْتِلَاكِ مَشْرُوعِ دَوْلَةٍ، وَالجُرْأَةِ عَلَى إِنْقَاذِ الجُمْهُورِيَّةِ.
وَمَا نَطْلُبُهُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا. نُرِيدُ دَوْلَةً طَبِيعِيَّةً. جُمْهُورِيَّةً لَا يُدَنِّسُهَا سِلَاحُ الحَرْسِ الثَّوْرِيِّ، وَلَا سِلَاحُ حِزْبِ اللهِ، وَلَا السِّلَاحُ الفِلَسْطِينِيُّ، وَلَا سِلَاحُ الإِرْهَابِ وَالتَّطَرُّفِ.
نُرِيدُ دَوْلَةً لَا يُنَازِعُهَا أَحَدٌ عَلَى قَرَارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ، وَلَا يَفْرِضُ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِرَادَتَهُ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ.
لَكِنْ كَيْفَ تَقُومُ دَوْلَةٌ، فِيمَا الدَّوْلَةُ العَمِيقَةُ تُؤَمِّنُ الغِطَاءَ السِّيَاسِيَّ لِمَن يُقَوِّضُ سِيَادَتَهَا؟
لَا فَرْقَ فِي النَّتِيجَةِ بَيْنَ مَن يَحْمِلُ السِّلَاحَ خَارِجَ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَن يَحْمِي بَقَاءَهُ دَاخِلَ السُّلْطَةِ.
الأَوَّلُ يُصَادِرُ قَرَارَ الدَّوْلَةِ، وَالثَّانِي يَمْنَعُهَا مِنِ اسْتِعَادَتِهِ.
لَكِنَّ هَذَا الغِطَاءَ، مَهْمَا طَالَ عُمْرُهُ، لَنْ يَبْقَى بِمَنْأًى عَنِ التَّصَدُّعِ. وَقَدْ يَأْتِي يَوْمٌ يَنْقَلِبُ فِيهِ سِحْرُ الـ C4 وَالـ TNT وَالأَنْفَاقِ عَلَى السَّاحِرِ، وَتَرْتَدُّ أَدَوَاتُ التَّرْهِيبِ عَلَى الجَمِيعِ.
أَمَّا المَسْؤُولُونَ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْنَا عَلَى صَهْوَةِ حِصَانٍ أَبْيَضَ، مُحَمَّلِينَ بِوُعُودِ التَّغْيِيرِ، فَلَا يَحِقُّ لَهُمُ اليَوْمَ أَنْ يَتْرُكُوا مَهَمَّةَ نَزْعِ السِّلَاحِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ لِنَتَنْيَاهُو.
فَمَن جَاءَ وَاعِدًا بِاسْتِعَادَةِ الدَّوْلَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِمَجْدِ الوُصُولِ، وَيَتَخَلَّى عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ المُوَاجَهَةِ.
وَإِلَّا، فَمَا الَّذِي تَغَيَّرَ؟
وَإِلَى حِزْبِ اللهِ نَقُولُ:
العَظَمَةُ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ الحُرُوبِ الَّتِي تَخُوضُونَهَا، بَلْ بِمَا تَبْنِيهِ الأَوْطَانُ. لَا بِالدَّمَارِ الَّذِي تَتْرُكُونَهُ، وَلَا بِالشُّهَدَاءِ، وَلَا بِالأُمَّهَاتِ المَفْجُوعَاتِ.
خَرَّبْتُوا البَلَدْ!
وَبَطَّلْتُوا مُقَاوَمَة. أَصْبَحْتُمْ مِيلِيشْيَا إِيرَانِيَّةً مَلَّالِيَّةً، تَسْتَدْعِي الحَرْبَ إِلَى لُبْنَانَ وَتُدَمِّرُ جَنُوبَهُ، مَرَّةً لِمُسَانَدَةِ غَزَّةَ، وَمَرَّةً لِمُسَانَدَةِ طَهْرَانَ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، يَدْفَعُ لُبْنَانُ الثَّمَنَ.
وَالأَخْطَرُ أَنَّنَا، كُلَّمَا اقْتَرَبْنَا مِنْ لَحْظَةِ القَرَارِ، نَعُودُ إِلَى اللُّعْبَةِ نَفْسِهَا: وُعُودٌ، وَمَوَاقِفُ، ثُمَّ تَرَاجُعٌ.
مَرَّةَ الطَّائِفَةُ مَجْرُوحَةٌ، وَمَرَّةَ الطَّائِفَةُ مَظْلُومَةٌ. مَرَّةَ يُسْتَحْضَرُ الخَوْفُ وَالتَّهْدِيدُ بِالسِّلْمِ الأَهْلِيِّ لِتَبْرِيرِ العَجْزِ، وَمَرَّةَ يُسْتَخْدَمُ العَجْزُ لِتَكْرِيسِ الخَوْفِ.
وَكَأَنَّ لُبْنَانَ مَحْكُومٌ بِأَنْ يَبْقَى رَهِينَةَ الأَعْذَارِ!
وَهُنَا لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الحَقِيقَةِ:
لَا نُرِيدُ سُلْطَةً تُدِينُ السِّلَاحَ فِي خِطَابَاتِهَا، ثُمَّ تَتَعَايَشُ مَعَهُ فِي قَرَارَاتِهَا. وَلَا نُرِيدُ دَوْلَةً تَعِدُ بِاسْتِعَادَةِ سِيَادَتِهَا، ثُمَّ تَبْحَثُ عَنِ الأَعْذَارِ لِلتَّرَاجُعِ.
كُنَّا نَشْكُو مِنَ الدَّوْلَةِ العَمِيقَةِ، فَأَصْبَحْنَا اليَوْمَ نَشْكُو مِنَ الدَّوْلَةِ الفَاشِلَةِ!
الرَّقْصَة جْدِيدِة يَا سَادَة… بَسّ الدَّبِّيكِة ذَاتُن!
وْهُون، بَدِّي وَجِّه شُكْر خَاصّ وَمِنَ القَلْب لْمِيشَال المُرّ، عَلَى جُرْأَتُه، وَعَلَى كِلّ المِسَاحَات اللِّي بْيِعْطِينَا إِيَّاهَا مِنْ دُون تَرَدُّد، كِلّ مَا كَانِت القَضِيَّة بْتِعْنِي لُبْنَان.
فْبِوَقْت بْتْغِيب فِيه الدَّوْلِة عَنْ مَسْؤُولِيَّاتْهَا، بْتْكُون الـMTV حَاضْرَة وَعَمْ تْقُوم بْدَوْر وَطَنِيّ كَانْ لَازِم تْقُوم فِيه مُؤَسَّسَات الدَّوْلِة.
شُكْرًا مِيشَال، عَلَى جُرْأَتَك، وَعَلَى إِيمَانَك إِنّ الإِعْلَام رِسَالِة وَمَسْؤُولِيَّة وَطَنِيَّة.
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السُّلْطَةُ عَاجِزَةً عَنْ تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّاتِهَا، فَلْتَسْتَعِنْ بِقُوًى دَوْلِيَّةٍ.
الاسْتِعَانَةُ لَيْسَتْ عَيْبًا. العَيْبُ أَنْ نُضَيِّعَ فُرْصَةً تَارِيخِيَّةً جَدِيدَةً، وَنَتْرُكَ لُبْنَانَ يَدْفَعُ ثَمَنَ تَرَدُّدِنَا.
وَلْنَكُنْ وَاضِحِينَ: إِنْهَاءُ حَالَةِ حِزْبِ اللهِ المُسَلَّحَةِ لَيْسَ إِنْهَاءً لِلطَّائِفَةِ الشِّيعِيَّةِ الكَرِيمَةِ، بَلْ بِدَايَةٌ جَدِيدَةٌ لَهَا. بِدَايَةٌ تَتَحَرَّرُ فِيهَا الطَّائِفَةُ الشِّيعِيَّةُ مِنْ وِصَايَةِ حِزْبٍ صَادَرَ قَرَارَهَا، وَاحْتَكَرَ تَمْثِيلَهَا، وَزَجَّ أَبْنَاءَهَا فِي حُرُوبٍ لَا تَخْدِمُ مُسْتَقْبَلَهُمْ. فَالطَّائِفَةُ الشِّيعِيَّةُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِحِزْبٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى مَصِيرُهَا رَهِينَةَ قَرَارَاتِهِ.
لَقَدْ أَضَعْنَا فُرَصًا كَثِيرَةً. وَاليَوْمَ، قَدْ تَكُونُ أَمَامَنَا فُرْصَةٌ أَخِيرَةٌ.
فَإِمَّا أَنْ نَمْتَلِكَ الجُرْأَةَ عَلَى اتِّخَاذِ القَرَارِ، وَإِمَّا أَنْ نَتْرُكَ الآخَرِينَ يُقَرِّرُونَ مَصِيرَنَا.
وَعِنْدَهَا، لَنْ يَعُودَ السُّؤَالُ: مَا مُسْتَقْبَلُ لُبْنَانَ؟ بَلْ مَاذَا بَقِيَ مِنْ لُبْنَانَ لِإِنْقَاذِهِ؟
الفُرَصُ لَا تَنْتَظِرُ المُتَرَدِّدِينَ، وَالتَّارِيخُ لَا يَرْحَمُ المُتَخَاذِلِينَ.
فَإِمَّا أَنْ نَسْتَعِيدَ الدَّوْلَةَ وَالقَرَارَ… وَإِمَّا أَنْ نَخْسَر.