جوزف سوفولاوس

فنقيث اللويزة وصلاة مارونيّة قديمة للبنان

6 دقائق للقراءة

 تندر المخطوطات اللّيتورجيّّة المارونيّة ما قبل مرحلة الإصلاح اللّيتورجيّ، أي قبل القرن السّادس عشر، وفي حال العثور على أحدها، عادةً ما يكون مخطوط حاش (الآلام) أو صومٍ. ففناقيث الأعياد المارونيّة (متعيّدات القدّيسين) القديمة، إمّا أُتلِفَتْ عمدًا بوساطة القصّاد والمرسلين اللّاتين، إمّا أحرقها الموارنة أنفسهم، خصوصًا الذين تشرّبوا التّقليد الغربيّ معتبرين إرثهم السّريانيّ المارونيّ حاملًا شبهة "الهرطقة اليعقوبيّة" أو بدعة "المونوثيليّة الدّخيلة"، ونذكر منهم يوحنّا المعمداني الحصروني الذي كان من أشدّ دعاة اللّيتنة وأكثرهم إعجابًا بالتّقليد اللّايتنيّ الغربيّ إلى حدّ أنه دخل رهبانيّة الدّومينيكان (رهبانيّة توما الأكويني المشهورة بنزعتها الاسكولائيّة المحافظة والمدافعة عن التّقليد الكاثوليكيّ الغربيّ)، وأحرق "كتبًا مارونيّةً أكثر ممّا أحرقه المسلمون"

(Pierre Jabbour, Edition du Missale Chaldaicum iuxta ritum ecclesiae nationis Maronitarum 1592-1594, 192).


في هذا السياق يبرز مخطوطٌ مارونيٌّ قديمٌ (رقمه القديم:ML 01 والجديد: NDU 00384) محفوظٌ في جامعة سيّدة اللّويزة، حيث يعود تاريخ نسخه بحسب الكولوفون (الورقة 194v) إلى سنة 1459 م. (1770 يونانيّة وفق التّأريخ المعتمد في المخطوط). ولعلّ الميزة البارزة في هذا المخطوط هو أنّه فنقيث أعيادٍ مارونيّةٍ تسبق زمن التّجديد اللّيتورجيّ، ففيه صلواتٌ أو فروضٌ لقدّيسين لا فروض مارونيّة متأخّرة عنهم، مثل مار إدنا (أو إدناوس)، فضلًا عن فروض قدّيسين آخرين مثل مار أنطونيوس ومار نوهرا خضعت صلواتهم لاحقًا لأيادي المراقبين فإمّا "أصلحوها" أو جدّدوها تمامًا.

وهنا تكمن قيمة هذا المخطوط المنسوخ سنة 1459، فهو يعطينا لمحةً وافرةً عن الطّقوس المارونيّة لفروض قدّيسين ما قبل مرحلة "الإصلاح اللّيتورجيّ" الذي تزعّمه في القرن الثّامن عشر جيلٌ من الطّقسيّين الموارنة في حلب، فأدخلوا الكثير من الفروض الغربيّة في قالبٍ سريانيٍّ فصيحٍ، نذكر منهم مثلًا: فرض قلب يسوع لعطا الله زندو (المتوفّى حوالي منتصف القرن 18)، فرض أحد الورديّة لعبد المسيح بن بطرس لبيان (1742)، فرض القربان المقدّس لجرمانوس فرحات (1732).

غير أنّ قيمة المخطوط لا تكتمل بدون الإشارة إلى ناسخه وسياق نسخه، إذ يذكر النّاسخ اسمه في شكل أحجيةٍ، فيكتب: "ܒܺܐܝܕܰܝ̈ ܐܢܳܫ ܚܰܛܝܳܐ ܘܕܳܘܝܳܐ ܘܰܢܦܳܬܳܐ ܕܟܽܠܢܳܫ ܫܡܶܗ ܒܰܥܨܳܨ ܝ ܘܰܦܬܳܚ ܚܶܝܬ ܘܰܙܩܳܦ ܢ ܢܽܘܢ"، وترجمته: "بيَدَي إنسانٍ خاطئٍ ووضيعٌ وقذارة الكلّ، اسمه: بضمّ الياء، وفتح الحاء، وزقف النّون". ومعناه: إذا حرّكنا الياء بحركة (OU)، والحاء بحركة (A)، والنّون بحركة (O) نحصل على اسم يوحنون (Youhanon)، أي يوحنّا بالسّريانيّة. ولكنْ من هو يوحنا؟ الكولوفون لا يعطينا دليلًا إضافيًّا عن هويّته، ولكنّه يشير إلى البطريرك والمطران الذي نسخ يوحنّا المخطوط في عهدهما:

"ܒܝܰܘܡܰܝ̈ ܡܳܪܝ ܦܶܛܪܳܘܣ ܦܰܛܪܺܝܰܪܟܳܐ ܘܡܳܪܝ ܝܰܥܩܽܘܒ ܡܶܛܪܺܝܦܳܘܠܺܛܳܘܣ ܕܰܒܛܽܘܪܳܐ ܩܰܕܺܝܫܳܐ ܕܠܶܒܢܳܢ".

"في أيّام مار بطرس البطريرك ومار يعقوب المطران في جبل لبنان المقدّس".

والبطريرك بطرس هو بطرس بن داوود الحدتي المعروف بابن حسّان، والمطران على الأرجح هو نائبه البطريركيّ يعقوب (مطران زغرتا) (راجع: يوسف دبس، الجامع المفصّل في تاريخ الموارنة، ص 262).

والحقّ أنّ الكولوفون لا يعطينا معلوماتٍ إضافيّةً عن يوحنّا النّاسخ المارونيّ من القرن الخامس عشر، نظرًا إلى حالة المخطوط المهترئة. ولكنْ ثمّة مخطوطٌ آخر محفوظٌ في جامعة الرّوح القدس في الكسليك يعود إلى القرن نفسه (رقمه: OLM 263)، وناسخه يُدعى "ܝܽܘܚܰܢܳܢ ܒܰܪ ܫܡܥܽܘܢ" (يوحنّا ابن شمعون)، فهل يُعقل أنْ يكون يوحنّا نفسه؟ لا مجالَ في هذا المقال للاستفاضة في التّحقيق الأكاديميّ للمخطوط، فهذا يحتاج مراجعة خطّ النّاسخ ومقارنة المخطوطَيْن. لكنْ ما أودّ التّوقّف عنده هو فروميون (صلاة) القدّيس نوهرا الشّهيد وأبعادها الاجتماعيّة في محاولة تأصيل ارتباط الوعي المارونيّ بلبنان في القرون الوسطى، وتحديدًا في جزئها الذي يبتهل "لبلاد لبنان" "ܐܰܬܪܳܐ ܕܠܶܒܢܳܢ" (Atro d' Levnon) بوساطة قدّيسه الشّهيد الفارسيّ الأصل مار نوهرا.

نعثر على هذه الصّلاة في قسم فرض مار نوهرا من الفنقيث، وتحديدًا في صلاة الصّبح، أمّا نصّها السّريانيّ (الورقة 96r-96v):

ܠܗܰܘ ܕܰܓܒܳܐ ܠܡܳܪܝ ܢܽܘܗܪܐ ܡܶܢ ܩܕܳܡ ܙܰܒ̈ܢܶܐ ܘܕܳܪ̈ܶܐ، ܘܦܰܪܫܶܗ ܒܰܡܩܰܕܡܽܘܬ ܝܺܕܰܥܬܶܗ ܕܢܰܒܗܶܬ ܒܶܗ ܠܡܰܠܟܳܐ ܕܘܦܝܢܘܣ ܟܳܦܽܘܪܳܐ ܘܠܺܝܛܳܐ ܪܰܫܺܝܥܳܐ ܘܰܕܠܳܐ ܐܰܠܳܗ.

ܠܗܰܘ ܕܰܨܒܳܐ ܒܶܗ ܕܢܶܗܘܳܐ ܡܳܐܢܳܐ ܠܺܐܝܩܳܪܶܗ، ܘܒܶܗ ܢܶܫܬܰܒܰܚ ܫܡܶܗ ܩܰܕܺܝܫܳܐ ܒܰܐܪ̈ܒܰܥܦܶܢܝܳܢ، ܘܰܐܦܩܶܗ ܡܶܢ ܐܰܬܪܳܐ ܕܡܢܗܘܪ ܡܕܺܝܢܬܳܐ. ܘܰܐܝܬܝܶܗ ܠܰܐܬܪܳܐ ܕܠܶܒܢܳܢ، ܘܰܐܢܗܰܪ ܒܰܙܠܺܝ̈ܩܶܐ ܫܒܺܝ̈ܚܶܐ ܕܪܽܘܚܳܐ ܚܰܝܳܐ ܩܰܕܺܝܫܳܐ.

ܠܗܰܘ ܕܰܐܪܡܺܝ ܢܽܘܪܳܐ ܐܰܠܳܗܳܝܬܳܐ ܒܠܶܒܳܐ ܫܰܦܝܳܐ ܘܫܰܪܺܝܪܳܐ ܕܰܐܬܠܺܝܛܶܗ ܡܳܪܝ ܢܽܘܗܪܳܐ ܘܒܰܣܰܪ ܥܰܠ ܟܽܠ ܚܰܫܺܝ̈ܢ ܘܟܽܠ ܐܽܘܠܨܳܢܝ̈ܢ.

ܠܗܰܘ ܕܛܰܒܶܒ ܠܰܫܡܶܗ ܕܗܳܢܳܐ ܐܰܬܠܺܝܛܳܐ ܙܪܺܝܙܳܐ ܒܥܺܕܬܳܐ ܩܰܕܺܝܫܬܳܐ ܘܒܰܐܪ̈ܒܰܥ ܦܶܢܝ̈ܳܬܳܐ ܝܰܬܺܝܪ ܡܶܢ ܟܽܠ ܐܰܬܠܺܝ̈ܛܶܐ ܕܶܐܬܩܰܛܰܠܘ ܡܶܛܽܠ ܫܡܶܗ.

ܕܠܶܗ ܝܳܐܶܐ ܫܽܘܒܚܳܐ ܘܺܐܝܩܳܪܳܐ ܘܣܶܓܕܬܳܐ܀

"لذاك الذي اختار مار نوهرا منذ ما قبل الأزمنة والدّهور، واصطفاه بمعرفته المسبقة لكي يُخزي به الملك دوفينوس الكافر الملعون والمجرم الذي لا إلهَ له.

لذاك الذي رضي به لكي يكون إناءً لمجده، فيتمجّد من خلاله اسمه القدّوس في الجهات الأربع، وأخرجه من أرض مدينة منهور [دمنهور؟]، وأتى به إلى بلاد لبنان وأنارها بأشعّة الرّوح الحيّ القدّوس المجيدة.

لذاك الذي أضرم النّار الإلهيّة في القلب الطّاهر الصّادق لبطله مار نوهرا فغامرَ آلامًا وبلايا.

لذاك الذي أذاع اسم هذا البطل الباسل في الكنيسة المقدّسة والأربع جهات أكثر من كلّ الأبطال الذين قُتلوا من أجل اسمه.

له واجبٌ السُّبح والمجد والسّجود."

بعيدًا عن الغلوّ في تحليل هذه الصّلاة وتحميلها سياقًا سياسيًّا يتجاوز طبيعتها التّاريخيّة-اللّيتورجيّة، تكمن أهمّيّتها بأنّها تعطينا صورةً عامّةً عن مكانة لبنان في المخيال المارونيّ، أقلّه زمن نسخها (ولعلّه يكون زمن كتابتها) في القرن الخامس عشر؛ لأنّ عبارة اختيار مار نوهرا "منذ ما قبل الأزمنة والدّهور" "بمعرفته [أي الله] المسبقة" في مدينة منهور (أو دمنهور) لينتقل لاحقًا إلى "بلاد لبنان"، ويُستشهد فيها وفق السّنكسار المارونيّ، شكلٌ من أشكال التّدبير الإلهيّ. هكذا يقترن اسم لبنان بالذّاكرة المقدّسة للجماعة المارونيّة القاطنة فيه، كما يجعل مار نوهرا نفسه جزءًا من التّاريخ الخلاصيّ للشّعب المارونيّ.

تعدّ هذه الصّلاة في فنقيث اللّويزة شهادةً ليتورجيّةً عن تصوّر الجماعة المارونيّة لأرضها وإدراجها هذا التّصوّر في تعبيرها الدّينيّ، وتاليًا يستحقّ الفنقيث كلّه اهتمامًا أكاديميًّا واحتضانًا شعبيًّا، وإنْ لم يكن لبعده الدّينيّ، فأقلّه لبعده التّاريخيّ-الثّقافيّ.