إيليو معلوف

اليسار السياسي: الأرض الخصبة للغوغائية

8 دقائق للقراءة

ليست كل ثورة إصلاحًا، وليس كل من يرفع شعار العدالة الاجتماعية حريصًا على مستقبل المجتمع، ففي السياسة لا تكفي عدالة القضية المعلنة للحكم على الوسائل المستخدمة لتحقيقها، ولا تكفي الشعارات الإنسانية لتبرير ممارسات تنتهي بتدمير المؤسسات. من هنا يبرز سؤال جوهري حول اليسار السياسي: كيف انتقل تيار نشأ في جانب أساسي من تاريخه دفاعًا عن حقوق العمال والفئات المهمّشة، إلى ممارسات ارتبطت بتمجيد الثورة الدائمة وتبرير العنف؟

لا تكمن المشكلة في المطالبة بحقوق الناس أو الدفاع عن الفقراء، بل عندما يتحوّل الاعتراض من وسيلة لتصحيح الدولة إلى مشروع لتغيير هويتها. عندها، يفقد اليسار وظيفته الإصلاحية ويتحوّل من قوة تسعى إلى تحسين المجتمع إلى قوة تفكّك الروابط التي تجعل منه وطنًا.

الجذور الفكرية لليسار السياسي

تعود الجذور الحديثة لليسار السياسي إلى التحولات التي شهدتها أوروبا مع الثورة الفرنسية عام 1789، أما أصل مصطلحي اليمين واليسار فيعود إلى ترتيب المقاعد داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، إذ جلس مؤيدو الملك والامتيازات التقليدية عمومًا إلى اليمين، فيما جلس المدافعون عن التغيير الثوري إلى اليسار. ثم جاءت الثورة الصناعية لتمنح الفكر اليساري أبعاده الاجتماعية والاقتصادية مع اتساع الفجوة بين أصحاب رأس المال والفئات العاملة.

وفي القرن التاسع عشر قدّم كارل ماركس وفريدريك إنجلز تصورًا للصراع الطبقي وانتقدا النظام الرأسمالي وما ينتجه من استغلال وتفاوت. لاحقًا، تطورت داخل اليسار مدارس متعددة، من الاشتراكية الديمقراطية التي اختارت الإصلاح عبر المؤسسات والانتخابات، إلى الشيوعية الثورية التي دعت إلى تغيير جذري في بنية النظام الاقتصادي والسياسي.

وهنا لا بد من التمييز بين يسار إصلاحي يؤمن بإمكانية تطوير الدولة ومؤسساتها من داخل النظام القائم، كما كانت الحال في تجربة اليسار الديمقراطي في لبنان، ويسار ثوري يرى في هدم النظام القائم مدخلًا للتغيير، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار الوطني وتماسك الدولة، كما تجلّى في تجربة الحركة الوطنية اللبنانية التي سنتناولها لاحقًا في سياق هذا المقال.

حين تتحوّل الأيديولوجيا إلى مشروع لإعادة تشكيل المجتمع

لا تقتصر خطورة الأيديولوجيا السياسية على قراراتها، بل تمتد إلى قدرتها على إعادة تشكيل الثقافة العامة وتحديد ما يعتبره الناس مقاومة أو تخريبًا.

ومن منظور علم السياسة، يمكن فهم هذه العملية من خلال مفهومي التعبئة السياسية والشعبوية. فالتعبئة تحشد المواطنين حول مطلب أو قضية، وهي جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية. أما الشعبوية فتظهر عندما يدّعي تيار سياسي أو فكري احتكار التمثيل الحقيقي للشعب، ويضعه في مواجهة نخبة أو مؤسسة يصوّرها باعتبارها عدوة له، حتى عندما تكون هذه المؤسسة جزءًا من النظام الدستوري الذي يضمن المشاركة السياسية للجميع ومن بينهم هذا التيار نفسه.

وعندما تقترن هذه الشعبوية بخطاب ثوري يرفض التسويات، يبدأ التحوّل الأخطر، لا يعود المواطن يسأل عمّا إذا كانت الوسيلة مشروعة أو تضرّ بالمجتمع، بل يكتفي بالسؤال عمّا إذا كان بنظره يخدم القضية التي يؤمن بها، وبذلك يتحوّل الاعتداء على الممتلكات العامة إلى مقاومة ووسيلة للدفاع عن المظلومين، وهذه هي الغوغائية في معناها السياسي، إخضاع العقل العام للانفعال الجماعي التخريبي.

ومع تكرار هذه الممارسات، يبدأ التصعيد ثم تتسع معه التعبئة، وتدخل مجموعات أكثر تطرفًا وتتراجع القدرة على ضبط الشارع، فيصبح العنف حافزًا لمزيد من العنف، يدفع بسببه المواطن العادي ثمن المواجهة من أمنه ورزقه وخدماته. ولا تقتصر الخسائر على الأضرار المادية، بل تمتد إلى الثقة بالمؤسسات واحترام القانون والانتماء الوطني، وهي عناصر يصعب استعادتها بمجرد انتهاء التظاهرات.

فرنسا بين المطالب الاجتماعية وامتحان الجمهورية

تقدّم فرنسا، بما شهدته من توترات اجتماعية وسياسية، مثالًا مهمًا لمناقشة العلاقة بين الاحتجاج المشروع والانفلات الذي قد يصاحبه. فقد شهدت البلاد احتجاجات واسعة على خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، رافق بعضها أعمال عنف ونهب وإحراق للممتلكات والاعتداء على مؤسسات عامة. وقد شدّد الرئيس إيمانويل ماكرون على ضرورة التمييز بين المواطنين الذين يحتجون سلميًا والمجموعات التي تلجأ إلى العنف.

إن الاعتراض على تراجع جودة التعليم حق ديمقراطي، والمطالبة بتحسين الرواتب والخدمات العامة حق مشروع أيضا. لكن ما العلاقة بين إحراق مبنى عام وتحسين المدارس؟ وما العلاقة بين نهب متجر صغير ورفع القدرة الشرائية للمواطن؟ وكيف يمكن المطالبة بحماية الخدمات العامة عبر تدمير المرافق التي تموّلها أموال دافعي الضرائب؟

القضية الفلسطينية

حوّل اليسار السياسي القضية ‏الفلسطينية إلى أداة للتعبئة الأيديولوجية داخل المجتمعات الغربية والعربية، تُرفع في الشوارع والجامعات حتى في احتجاجات تتعلق بالتعليم والاقتصاد والخدمات العامة.

وهنا يبرز السؤال، ما العلاقة بين رفع العلم الفلسطيني وتحسين القطاع التربوي في فرنسا مثلا؟ وما الذي يقدّمه هذا الشعار للعامل الذي يعاني من غلاء المعيشة أو للمواطن الذي ينتظر خدمات عامة أفضل؟

لا تكمن المشكلة في التضامن مع الفلسطينيين أو الدفاع عن حقوقهم، بل في تحويل قضية عادلة إلى أداة لتبرير كل تحرّك، أو منح بعض الممارسات حصانة أخلاقية لمجرد ارتباطها بشعار إنساني، فلا قضية تمنح أحدًا حق تخريب وطنه.

عندما تقدّمت الأيديولوجيا على الدولة في لبنان

إذا كانت فرنسا تقدّم مثالًا على التوتر ‏من خلال الاحتجاجات وأعمال العنف التي قام بها اليسار السياسي، فإن لبنان يقدّم تجربة أكثر خطورة، إذ لم تقتصر المسألة على المظاهرات أو الخطاب السياسي، بل ارتبطت بحروب وانهيار واسع في سلطة الدولة.

لقد لعبت أحزاب وقوى يسارية وقومية لبنانية دورًا أساسيًا في الحياة السياسية قبل الحرب اللبنانية وخلالها، وكانت الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، تضم أحزابًا وتنظيمات متعددة بينها الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي اللبناني، إلى جانب تنظيمات يسارية أخرى. كما أقامت تحالفًا سياسيًا وعسكريًا مع منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل فلسطينية في سياق إقليمي ومحلي معقّد.

اختارت قوى يسارية لبنانية أن تجعل من التحالف مع الفصائل الفلسطينية المسلحة جزءًا من مشروعها السياسي، وبذلك دخلت مسألة السلاح الفلسطيني ودوره في لبنان في صلب الصراع على السيادة والنظام السياسي، بدلًا من أن تبقى القضية الفلسطينية مجالًا للتضامن الإنساني يمكن التعبير عنه بالوسائل السياسية والدبلوماسية فقط.

وفي هذا السياق تبرز أهمية المقاربة السيادية التي تبنّتها قوى اليمين اللبناني، والتي وضعت سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني في صلب مشروعها السياسي، رافضةً إخضاع الدولة لموازين القوى الإقليمية أو القبول بوجود سلاح خارج سلطتها.

وقد عبّر الكاتب والصحافي اللبناني جهاد الزين عن مراجعة لافتة في هذا الاتجاه، خلال حفل توقيع كتابه الجديد "الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية وصحوتها"، على هامش معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، حين قال: "هذا الكتاب هو كتاب اعتذار عن خمسون سنة من مقاربة المشاكل الوطنية، فمنذ التسعة والستين، المقاربة المسيحية للسيادة اللبنانية جوهريًا هي الصحيحة".

أزمة الهوية الوطنية

لا تقتصر آثار العنف الذي تمارسه بعض التيارات اليسارية الثورية على الدمار الاقتصادي والمادي، بل تمتد إلى تشويه الهوية الوطنية بشقّيها السياسي التاريخي القائم على المؤسسات والسيادة، والمجتمعي القائم على القيم المشتركة والتعايش. وتكمن الخطورة في أن تسعى هذه التيارات إلى هدم مؤسسات الدولة ورموزها وتقاليدها بحجة بناء مجتمع جديد، فتتحوّل الهوية الوطنية من مساحة مشتركة تجمع المواطنين، إلى أداة للصراع والسيطرة، ويصبح الهدم وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية ‏جديدة.

العدالة التي تهدم بيتها

لطالما رفع اليسار السياسي راية العدالة والمساواة والتحرر، لكن التاريخ يطرح سؤالًا جوهريًا حول المسافة بين الشعارات والنتائج، فكم مرة تحوّلت وعود الخلاص إلى مبررات للهدم، واستُخدمت معاناة الفقراء في صراعات أيديولوجية لم تجلب لهم سوى مزيد من الانقسام والخراب؟

إن أخطر ما في هذا الفكر هو قدرته على تحويل الثورة إلى هدف دائم، فهو يبدأ بتعبئة الغاضبين حول مظالم حقيقية، ثم يوسّع دائرة الصراع ويستبدل المؤسسات بالشارع. وعندما تظهر النتائج المدمّرة، يتنصّل من المسؤولية ويبحث عن خصم جديد يحمّله تبعات الفشل.

أما اليساريون الذين يرفضون العنف ويحترمون الدولة والقانون، فعليهم أن يواجهوا التناقضات داخل معسكرهم، لا أن يكتفوا بالتبرؤ منها عند وقوع الكوارث. فالفكر السياسي لا يُعفى من المساءلة بسبب نبل بعض أتباعه، ولا تُمحى نتائج الممارسات المتكررة بحجة أن النوايا الأصلية كانت عادلة.

ولعلّ الأجدر بهؤلاء أن يعيدوا النظر في تموضعهم السياسي، وألّا يسمحوا لانتمائهم الأيديولوجي بأن يحجب عنهم حقيقة التجارب ونتائجها. فليس في مراجعة المواقف خيانة للمبادئ، ولا في إعادة التموضع تنازل عن العدالة، بل قد تكون، في لحظات تاريخية مفصلية، تعبيرًا عن نضج سياسي يقدّم مصلحة الدولة على أسر الأيديولوجيا. وربما آن الأوان لبعضهم أن يتحلّوا بجرأة الجلوس على "يمين الملك"، انتصارًا لمنطق الدولة على منطق الثورة الدائمة.