بعيدًا من الكاميرا والأدوار التمثيلية، تؤدي الممثلة كارمن لبّس اليوم "دورًا" من نوع آخر، إذ اختارت أن تحوّل اهتمامها بقضية الكلاب الشاردة إلى تحرّك فعلي على الأرض. هي اليوم لا تكتفي برفع الصوت دفاعًا عن الحيوانات، بل تتابع تطبيق منهجية "TNVR"، القائمة على الجمع – التعقيم – التلقيح – الإعادة (Trap – Neuter – Vaccinate – Return)، وتتواصل مع البلديات والجهات المعنية.
"لأنّ سلامة الإنسان من سلامة الحيوان والبيئة، ولأنني أرى أنني قادرة على إحداث فرق في هذا الملف، اخترتُ متابعة قضية الكلاب الشاردة وبرنامج "TNVR". ومع العمل والاستمرارية، يمكننا أن نصل تدريجيًا إلى نتيجة"، تؤكد الممثلة كارمن لبّس لـ "نداء الوطن"، وتتابع: "تحدّثتُ سابقًا عن الفساد والمصارف والجنوب وقضايا كثيرة، لكنني شعرت بأنني لم أستطع إحداث الفرق الذي أريده، وكأنّ الناس أصبحوا مخدّرين أمام كل ما يحدث. أما انخراطي الفعلي في ملف الحيوانات والرفق بها، فبدأ بعدما تواصلت معي سيدة كانت تؤسّس جمعية وملجأ للحيوانات. انضممتُ إليها وعملنا معًا، لكننا اختلفنا لاحقًا على عدد من النقاط والأسس، فقدّمت استقالتي. واليوم أعمل كناشطة مستقلة، وقد أخذ هذا الملف جزءًا كبيرًا جدًا من وقتي. أتابع ما يحصل يوميًا من تسميم وقتل وإساءة إلى الكلاب والقطط، وهي مشاهد وأخبار موجعة. للأسف، لا يزال البعض يعتبر أن الحل الأسرع هو قتل الحيوان أو تسميمه والتخلّص منه، من دون أن يدرك أن المشكلة لن تُحلّ بهذه الطريقة".
سلامة الإنسان والحيوان
الحل الذي تعمل عليه لبّس اليوم هو برنامج "TNVR"، القائم على جمع الكلاب الشاردة وتعقيمها وتلقيحها، ثم إعادتها إلى المناطق التي جُمعت منها. تكشف لبّس أنّ "الحديث عن هذه الخطة قائم منذ عام 2017، وحينها كان عدد الكلاب الشاردة يُقدّر بنحو 20 ألفًا، فيما نتحدّث اليوم عن نحو 60 ألفًا. لذلك لا يمكننا الاستمرار في اعتماد الأساليب نفسها وانتظار نتيجة مختلفة. الكلبة قد تلد مرتين في السنة، وفي كل مرة قد تنجب ما بين خمسة وعشرة جراء، وبالتالي لا يمكن الحدّ من التكاثر إلا بالتعقيم. وبهذه الخطة، نكون قد حافظنا على سلامة الإنسان والحيوان معًا، وقلّلنا من تكاثر الكلاب، وحافظنا في الوقت نفسه على استقرار المنطقة. علمًا أنّ السلوكيات المرتبطة بالتزاوج، كالعواء والتجمّع والتنافس بين الكلاب، تتراجع بعد التعقيم".
نسألها عن المخاوف المرتبطة بالكلاب الشاردة وداء السعار، فتجيب لبّس: "التطعيم أساسي لأنه يحمي من السعار. والكلاب المريضة أو الشرسة لا تُترك بين السكان، بل ينبغي نقلها إلى أماكن مخصّصة ومتابعتها. وفي المقابل، ليس كل كلب موجود على الطريق شرسًا، وعلى الناس أيضًا أن يتعرّفوا إلى كيفية التعامل معه، كألّا يركضوا أمامه أو يقوموا بحركات تخيفه وتدفعه إلى ملاحقة الإنسان أو الدفاع عن نفسه".
الملاجئ ليست الحل
وعن مطالبة البعض بوضع الكلاب الشاردة في ملجأ (Shelter)، توضح لبّس أنّ الملاجئ ليست الحل، "لأنّ الملجأ يمكن أن يتحوّل إلى سجن كبير للحيوانات، ومع تكدّسها قد تنتشر الأمراض بينها. على البلديات أيضًا أن تحدّد نقاطًا لإطعام الكلاب بعيدًا من المنازل، لأن الكلب يدخل بين البيوت بحثًا عن الطعام والمياه. وعندما يعرف أن ثمّة أماكن ثابتة يجد فيها حاجته، يعتاد عليها ويتراجع وجوده داخل الأحياء، وهذا يساعد أيضًا الأشخاص الذين يعانون من رهاب الكلاب".
على الأرض، بدأ عدد من البلديات بالتعاون على تطبيق منهجية "TNVR"، بينها بشامون، والجديدة - سد البوشرية، وصيدا، وكفردبيان، وباتر، وبيت مري، وسواها. أما العقبة التي نسمع عنها غالبًا، بحسب لبّس، فهي الكلفة، علمًا أنّ معالجة هذا الملف هي جزء من مسؤوليات البلدية، تمامًا كمسؤوليتها عن الطرقات وبقية الملفات الموكلة إليها. وتوضح لبّس أنّ "وزارة الزراعة تؤمّن لقاحات ضد السعار وبعض المستلزمات، وتساعد نقابة الأطباء البيطريين في التواصل مع الأطباء للحصول على أسعار مخفّضة، فيما يتمثّل دور البلدية في إحصاء العدد التقريبي للكلاب، والتعاون مع طبيب بيطري، وتأمين مكان يبقى فيه الحيوان لنحو يومين بعد جراحة التعقيم، للتأكد من سلامته قبل إعادته إلى منطقته".
متابعة رسمية
وتغتنم الممثلة كارمن لبّس لقاءنا معها لشكر السيدة الأولى نعمت عون "على اهتمامها بهذا الملف ومتابعته، فهي تهتم بقضايا المرأة والحيوان والبيئة، وهذه القضايا مترابطة، فنحن لسنا في كوكب، والحيوان في آخر، والشجرة في كوكب ثالث. كما أشكر وزير الزراعة نزار هاني على متابعته، ونقيب الأطباء البيطريين الدكتور إيهاب شعبان، الذي يبذل جهدًا كبيرًا، سواء من خلال المساعدة في عمليات التعقيم والتطعيم أو التواصل مع الأطباء البيطريين في مختلف المناطق لتسهيل تطبيق الخطة".
لكن ماذا عن "قانون الرفق بالحيوان"؟ تؤكّد لبّس أنّ "المشكلة تكمن في تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين، مع ضرورة تطوير العقوبات وتشديدها. كذلك، ثمّة مواد تمنح البلديات صلاحيات للتحرّك بحق من يؤذي الحيوانات أو يسمّمها، وبدأنا نرى في الفترة الأخيرة بعض حالات المحاسبة. إذا هاجمك حيوان، فمن حقك الدفاع عن نفسك، لكن أن تهاجم حيوانًا لم يؤذك أو تسمّمه، فهذه جريمة ينبغي أن تكون هناك محاسبة عليها".
وتؤكد لبّس أنّ "الوسط الفني دعمني في هذا الملف، وزملائي يقفون إلى جانبي ويعيدون نشر ما أنشره على مواقع التواصل بهدف التوعية. كما يمكن للفن نفسه أن يؤدي دورًا أكبر، من خلال أفلام قصيرة توعوية مثلا. كذلك ينبغي أن تبدأ التوعية في المدارس، وأن يتعلّم الطفل منذ صغره معنى الرفق بالحيوان والمحافظة على البيئة. فقضية الحيوانات ليست منفصلة عن الإنسان".
وتختم الممثلة كارمن لبّس حديثها بالتأكيد أنّ الاختلاف في وجهات النظر غنى وليس عيبًا، كما أنه ليس مطلوبًا أن يكون رأينا جميعًا واحدًا. وتضيف: "لكن المشكلة أننا لم نعتد بما يكفي على احترام الرأي الآخر. وأنا مع أن يستخدم الفنان صوته للدفاع عن القضايا العامة، وخصوصًا في لبنان، لأننا إذا ركّزنا جهودنا على قضايا نستطيع التأثير فيها، فلا بدّ أن نتمكّن من الوصول إلى نتيجة".
تراهن إذًا كارمن لبّس على أن التغيير يبدأ بخطوة، مهما بدت صغيرة. فهل ينجح برنامج "TNVR" هذه المرّة في تحويل ملف الكلاب الشاردة من أزمة تتكرّر معها الحلول الموقّتة إلى معالجة مستدامة تحمي الإنسان والحيوان معًا؟

مشاريع وواقع فني تقول الممثلة كارمن لبّس، على هامش حديثها مع "نداء الوطن": "اعتذرت أكثر من مرة عن أدوار لم أجد نفسي فيها. وهناك حديث عن مشاريع أخرى، لكنني لم أوقّع حتى الآن، لذلك أفضّل عدم التحدّث عنها قبل أن تصبح الأمور نهائية". وعن واقع الدراما المحلية، تقول لبّس إنّ "الدراما اللبنانية أصبحت نادرة جدًا. هناك بالطبع أعمال لبنانية تُنتج، ولا يزال بعض المنتجين يقدّمون مسلسلات لبنانية، وشاهدنا أخيرًا أعمالا لبنانية، لكن مقارنةً بما كان يُقدَّم في السابق، بات هذا النوع من الإنتاج قليلا جدًا. نحن بحاجة إلى دعم المسلسل اللبناني، خصوصًا أنّه كانت هناك، عند انطلاق محطات التلفزة، شروط مرتبطة بتقديم الدراما اللبنانية، لكن للأسف، كما في ملفات كثيرة أخرى، لا يوجد من يتابع ويطالب بتطبيق هذه الشروط". وتضيف لبّس: "من المشكلات القائمة اليوم أيضًا أن "السوشيال ميديا" وعدد المتابعين أصبحا معيارًا في اختيار بعض الممثلين الجدد، وهذا يظهر أكثر في ظل تراجع عدد الأعمال اللبنانية. عندما يصبح الإنتاج المحلي محدودًا، تضيق تلقائيًا المساحات المتاحة للممثلين اللبنانيين، وخصوصًا في الأعمال المشتركة". |