نبيل يوسف

اتفاق القاهرة: هل كان شرًا لا بد منه؟ (الجزء الثاني)

8 دقائق للقراءة
لم تكن التظاهرة ردّ فعل على الاشتباكات بل خُطّط لها مسبقًا بانتظار ذريعة تبرّرها

التحضير لتظاهرة 23 نيسان 1969 ، ستبقى تلك التظاهرة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وكانت من أهم الأسباب التي أوصلت إلى اتفاق القاهرة، فماذا جرى يومها؟

مع إطلالة ربيع ذلك العام، ارتفع صوت القيادات المسيحية رفضًا لما يجري، وكان صوت الشيخ بيار الجميل الأعلى، فأصدر عدة بيانات مناشدًا قيادة الثورة الفلسطينية أن تتدبّر أمرها مع قيادة الجيش، وفي صورة سرّية لا ترتّب على الدولة أعباء ومسؤوليات، مؤكّدًا أنه من أنصار الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي، ولكن ليس على هذه الصورة، فالعمل الفدائي يجب أن يكون مثل الشبح، لا يظهر للعيان ولا يدلّ على نفسه، وبالتالي لا ضرورة لهذه القواعد العسكرية المكشوفة في الجنوب وعلى الحدود، ولم يفُته التذكير بأن مقاومة إسرائيل تكون من داخل الأراضي المحتلة وليس من الخارج.

رغم كل النداءات، تزايدت الاشكالات بين الجيش والمنظمات الفلسطينية المتسللة من سوريا، وتزايدت التحرشات الفلسطينية بقوى الأمن ودارت اشتباكات كان أعنفها ما شهدته دير ميماس الجنوبية الثلثاء 15 نيسان، حين تصدى الجيش لمجموعة فلسطينية مسلحة كانت تسللت من سوريا.

السبت 19 نيسان، وقعت صدامات أخرى في العديسة والخيام الجنوبيتين، أدّت إلى إصابات عديدة، ورافقت هذه الاشتباكات صدامات بين قوى الأمن والعناصر الفلسطينية عند أطراف عدة مخيمات.

الثلثاء 22 نيسان، تجددت الاشتباكات فجأة في عدة قرى جنوبية: الخيام، الجميجمة، خربة سلم، كفرشوبا، حانين، وبيت ليف، وكأن يدًا خفية تحرك ما يجري.

يقول جوزف أبو خليل: لم تكن تظاهرة 23 نيسان وليدة ردّ فعل على بعض الاشتباكات، بل كان مخطّطًا لها من قبل، بانتظار حدث يبرّرها، وكانت قد تتالت الاصطدامات شبه اليومية، في تخطيط فلسطيني واضح لجرّ السلطة اللبنانية إلى الاصطدام. كان واضحًا أن هدف الفلسطينيين افتعال مواجهة شاملة مع السلطة اللبنانية، بهدف فتح ملف الوجود الفلسطيني وجعله قضية لبنانية خلافية.

حول ظروف تلك التظاهرة يقول جورج حاوي: مطلع نيسان توجه إلى الأردن وفد شيوعي، ضم جورج بطل وعلي عبد وجورج حاوي، وعقدوا اجتماعات مع ياسر عرفات، خلصوا إلى نتيجة أنه آن أوان تعديل طبيعة الوجود الفلسطيني السياسي والعسكري في لبنان، من هنا كان القرار بإعداد تظاهرة كبرى في بيروت، وشكلت لجنة سميت "لجنة دعم فتح" مهمتها التخطيط للتظاهرة، وكان المسؤولان فيها ممثل "فتح" في لبنان يحيى حمدان وتوفيق الصفدي.

في تلك الفترة، رمت المقاومة الفلسطينية بثقلها في لبنان بعدما كانت ترى بوادر صعوبات في الأردن وتستشفّ صراعًا حادًا لا تطمئن إلى نتائجه هناك، وكانت المخيمات الفلسطينية في لبنان تشهد تحوّلات كبرى، فوهج الثورة يتصاعد، والوهج التقليدي الذي يسيطر على المخيمات بدأ يعاني أزمة، وكانت الشعبة الثانية في الجيش تتحكّم بالمخيمات تحكّمًا أمنيًا هائلا، بينما تتحكّم البرجوازية اللبنانية بسعر اليد العاملة الفلسطينية في أعمال البناء والصناعة.

عدنا إلى بيروت، وشبح الأزمة يخيم، ونشأت موجة من اليسار المغامر قوامها بعض الذين تركوا الحزب الشيوعي عام 1965 وما بعد، وما كان يسمى منظمة لبنان الاشتراكي التي أصبحت منظمة العمل الشيوعي، إضافة إلى تيارات يسارية وحركة القوميين العرب التي تحولت إلى أقصى اليسار، إضافة إلى "لجان مساندة فتح" التي ضمت شبانًا لبنانيين متحمسين للثورة الفلسطينية، وكانت كل هذه التشكيلات تأتمر بأمر يحيى حمدان وتوفيق الصفدي، وكان الحزب التقدمي الاشتراكي ممثلا بمحسن دلول يشارك في هذا الائتلاف، وكان جو المزايدات يطغى والحزب الشيوعي متهم بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بسبب موافقة الاتحاد السوفياتي عليه، ومتهم أيضًا بمسايرة الرئيس رشيد كرامي وباللاثورية، وأن الحزب يقول إن دعم العمل الفدائي في لبنان هو ركن من أركان النضال الوطني وليس الركن الأساسي والوحيد، فهناك قضايا نضال العمال والفلاحين والنضال الديمقراطي.

وراحت التنظيرات تنصب على قضية دعم المقاومة الفلسطينية، وعندما بدأ التصادم في مناطق الحدود مع سوريا بفعل قدوم طلائع العمل الفلسطيني المسلح، بدأت الأجواء تتوتر، وخرجت التظاهرات وكلما كان يسقط شهيد من شهداء الثورة في الأرض المحتلة أو بفعل قمع السلطة اللبنانية كان عشرات الألوف من اللبنانيين ينزلون إلى الشوارع في حال غضب حقيقية ضد السلطة، الأمر الذي يزيد الأزمة احتدامًا داخل لبنان. وعلى خط آخر، كانت نضالات العمال في معمل غندور وفي القطاعات العمالية الأخرى ونضال الفلاحين، خصوصًا تحركات عمال التبغ التي أدت لاحقًا إلى مجزرة النبطية في بدايات تفاعلها".

يتابع حاوي: "تكثفت الاجتماعات تحضيرًا للتظاهرة، وعقدت سلسلة اجتماعات حضرها ممثلون عن الحزب الشيوعي ومنظمة لبنان الاشتراكي والبعث العراقي والحزب التقدمي الاشتراكي الذي تمثل بمحسن دلول وخليل أحمد خليل، رغم أن كمال جنبلاط، لم يكن يؤيد فكرة التظاهرة، كما شارك في الاجتماعات عدد من اليساريين ومساندي حركة فتح، بالاضافة إلى ممثلي المنظمات الطلابية.

دعينا إلى اجتماع الاحزاب لإحراجنا باقتراحات ثورية كان بعضهم يهيء لها، بما في ذلك الاستعداد لحمل السلاح في ما يسمى "البؤر الثورية" في دوائر المخيمات، أي الأطر اللبنانية في محيط المخيمات، ولم يكن كمال جنبلاط في هذا الجو، وكان يركز أساسًا على ضرورة الاصلاح الديمقراطي للنظام السياسي في لبنان وضرورة الاهتمام بالقضايا المعيشية، ويلتقي معنا في الدفاع عن المقاومة كأحد بنود خطة العمل الوطني والقومي في لبنان.

في الاجتماع، طرحت فكرة الاحتجاج على تصرفات السلطة التي كانت تتصاعد في ذلك الوقت ضد العمل الفدائي، وكان في الاجتماع محسن دلول ونخله مطران الذي كان انفصل عن الحزب الشيوعي وأسس التيار اللينيني، وإدمون عون ومحسن ابراهيم ومحمد كشلي وعبد الرزاق دوغان وخليل شهاب وهاني فاخوري وسليم شاتيلا ورفيق بلعة ومثل البعث العراقي نقولا الفرزلي ورغيد الصلح وبشارة مرهج، ومن الثورة الفلسطينية يحيى حمدان وتوفيق الصفدي.

خلال الاجتماع، طرح أحدهم فكرة التظاهرة ونظر إلينا (الشيوعيين) معتقدًا بأننا سنرفضها، فتلقفت الاقتراح وأيدته مشترطًا أن تنظم التظاهرة في الرابعة بعد الظهر للمرة الأولى في لبنان، وقلت إنها ستواجه بالقمع ولا مجال للمواجهة القمعية مع طلاب المدارس، لذلك يجب أن تحشد لها قوة منظمة، فالعمال والموظفون يخرجون من العمل في الساعة الرابعة، وهو وقت مناسب للحشد، وكان عنوان التظاهر "الدفاع عن العمل الفدائي".

وافق الجميع وبعضهم مندهش من موافقتي، وانصرفنا إلى التحضير، وكان حزبنا متعطشًا لإظهار التغيير الجديد في سياسته، وقررنا حشد امكانات كبيرة وكذلك فعل الفلسطينيون.

بدأ الجو يحتدم في البلاد والاحتقان السياسي يتصاعد، وانعكس جزء منه في الصراع على موقف كمال جنبلاط، فاليسار الذي وصفناه بالمغامر يريد ألا يشترك جنبلاط في التظاهرة ليكشف ما كان يعتقده تخلفًا وتواطؤًا من جنبلاط وليتصدى بنجاح لسياسة الحزب الشيوعي الذي كان يصر أن يكون الحزب الاشتراكي محور العمل الجماهيري، وليحل المقاومة الفلسطينية وفكرة "بؤرة المخيمات" مكان الحزب الاشتراكي وكمال جنبلاط.

في اللقاء الأخير الذي عقده المنظمون في رأس النبع اتفقوا على خط سير التظاهرة، وحددوا نقطة التجمع في منطقة الحرج في بيروت وموعدها الساعة 4 من بعد ظهر 23 نيسان 1969، وتفرق المجتمعون إلى تعبئة الأنصار والمساندين للسير في المظاهرة، وتركزت على الفلسطينيين في المخيمات، وعلى الطلاب الجامعيين والثانويين في كل أنحاء بيروت.

عصر الثلثاء 22 نيسان، أصدرت الأحزاب المؤيدة للعمل الفلسطيني المسلّح في لبنان بيانًا دعت فيه إلى تظاهرة "احتجاجًا على السياسات الرجعية للحكومة اللبنانية حيال العمل الفدائي ضد العدو الصهيوني وبغية المطالبة بفتح الحدود الجنوبية أمام العمل الفدائي".

وكان ممثّل "فتح" في لبنان، يحيى حمدان، قد اجتمع قبل أيام برئيس الحكومة رشيد كرامي، محاولًا الحصول على ترخيص للمظاهرة، لكن محاولته فشلت، ومع ذلك، فإن عدم الحصول على الترخيص لم يمنع المنظّمين من متابعة الاستعداد لليوم المحدّد.

تأكيدًا على موقفها، أصدرت الحكومة في 21 نيسان قرارًا منعت بموجبه التظاهر، ومن خلال اتصالاته مع كمال جنبلاط، اقتنع وزير الداخلية عادل عسيران، أن التظاهرة ستلغى، وكان عسيران مصرًا على تطبيق القانون مهما كانت النتائج.


بيت الكتائب ليلة التظاهرة

يقول جوزف أبو خليل: أقلقنا خبر التظاهرة، لا سيما أن معظم الأحزاب الداعية اليها كانت أحزاب غير مرخصة التي عاد ورخصها كمال جنبلاط عام 1970، وكان خوفنا من الذين سيندسون بين المتظاهرين من لبنانيين وفلسطينيين وعرب، ولا ننسى أن جميع أجهزة المخابرات العربية والعالمية كانت ناشطة في لبنان، وهذه المظاهرات أرض خصبة لهم.

ليلة التظاهرة لم ينم أحد بعد أن تأكد لنا أن لا تراجع عنها، وكانت وصلتنا معلومات مؤكدة عن استمرار التحضيرات اللوجستية لانجاحها، فتكثفت الاتصالات خاصة مع الأحزاب والقوى الحليفة والكل كان لديهم خوف مما تخبأه الساعات المقبلة.

تم تقسيم المهمات:

تخصيص افتتاحية صحيفة العمل للاضاءة على تداعيات التظاهرة.

استنفار القوى النظامية لمنع أي تعديات ممكن حصولها على المواطنيين والممتلكات بالتنسيق مع شباب الأحزاب الحليفة خاصة حزب الوطنيين الأحرار.

إرسال وفد من الحزب صباح اليوم التالي للقاء رئيس الحكومة في محاولة أخيرة لوقف التظاهرة.

سعي مصلحة الطلاب في محاولة قد تكون يائسة مع المنظمات الطلابية للقوى المشاركة في التظاهرة ان لم يكن لوقفها فأقله لتحديد خط سيرها بعيدًا من الأحياء التي قد تشهد احتكاكات

كان الخوف الأساسي: دخول مندسين بين المتظاهرين. وكان نهار الأربعاء 23 نيسان 1969.