كتب الأمين العام لجمعية مصارف لبنان فادي خلف افتتاحية التقرير الشهري للجمعية في عددها الصادر في تشرين الأول الجاري، بعنوان "من جديد، تمويل العجز من أموال المودعين". وجاء فيها:
"في الوقت الذي تعمل فيه المصارف على تجميع ما أمكن من السيولة لتسديد الودائع إلى أصحابها، تبدو الدولة وكأنها تبحث عن إيرادات إضافية للخزينة، ولو على حساب هذه السيولة، من خلال معالجات ضريبية تثير إشكاليات قانونية ومحاسبية جدية، وقد ترتب على المصارف أعباء إضافية من أموال يُفترض أن تُستخدم لإعادة الودائع.
فالدولة التي كانت تعتمد لسنوات طويلة على مصرف لبنان لتمويل عجز خزينتها من أموال المصارف والمودعين، تعود اليوم، بعدما توقف هذا التمويل بالطريقة السابقة، وفي ظل النقمة الشعبية المتزايدة من الضرائب والرسوم، لتبحث عن موارد جديدة، ولو من آخر ما تبقى لدى المصارف من دولارات تعمل على تأمينها للدفع للمودعين.
والمفارقة أن الدولة التي توقفت عن سداد سندات اليوروبوندز منذ آذار 2020، وتسببت بخسائر كبيرة للمصارف، تعود اليوم لتبحث في فرض ضرائب على المعالجات المحاسبية لهذه الخسائر، وصولاً إلى احتساب أرباح ضريبية على عمليات بيع تتكبد فيها المصارف خسائر فعلية بالدولار.
فهل يُعقل أن تتوقف الدولة عن دفع ديونها، فتتحمل المصارف الخسائر، ثم تعود الدولة نفسها لتطالبها بضريبة على هذه الخسائر، وعلى أرباح لم تتحقق أصلاً؟
إن أخطر المطالب التي تناولها الكتاب الصادر مؤخراً عن دائرة كبار المكلفين في مديرية الواردات، في وزارة المالية، والموجّه إلى المصارف، بمراجعة المعالجات الضريبية وتصحيح التصاريح عن السنوات 2020 إلى 2024، أنها قد تؤدي إلى فرض أعباء ضريبية إضافية على المصارف، ليس نتيجة أرباح حققتها، بل نتيجة خسائر تكبدتها وفروقات صرف نشأت عن انهيار قيمة الليرة اللبنانية.
إن المعالجة الضريبية المقترحة تضع المصارف أمام ثلاثة أعباء متتالية، جميعها ناتجة عن تعثر الدولة في سداد ديونها:
أولا: امتنعت الدولة عن تسديد سندات اليوروبوندز، فتحملت المصارف خسائر كبيرة في قيمة هذه السندات، رغم أن الدولة لا تزال مدينة لها بقيمتها.
ثانيًا: كوّنت المصارف مؤونات لمواجهة الخسائر الائتمانية المتوقعة وافقت عليها لجنة الرقابة على المصارف، التزامًا بالمعايير المحاسبية والمتطلبات الرقابية، لكنها واجهت رفضًا أو قيودًا على تنزيل بعض هذه المؤونات من أرباحها الخاضعة للضريبة.
ثالثًا: تواجه المصارف اليوم خطر إخضاعها من قبل الدولة لضريبة على أرباح اسمية وهمية، مستغلة انهيار سعر صرف العملة اللبنانية، لتكلف المصارف على الفرق بين كلفة شراء هذه السندات على 1,500 ل.ل. للدولار الواحد وبين قيمتها السوقية الحاضرة على أساس 89,500 ل.ل. للدولار الواحد، في وقت أن المصارف تحقق خسارة فعلية تفوق 75 % من قيمة السندات بالدولار الأميركي.
أي إن الدولة لا تكتفي بعدم سداد ديونها، بل قد تجعل من الخسائر التي تسبب بها تعثرها مناسبة لفرض ضرائب إضافية على دائنيها.
فنكون بذلك أمام ضريبة لا تقتطع من السيولة المتوافرة فحسب، بل قد تعرقل أيضاً توليد سيولة جديدة للمودعين.
المطلوب إعادة النظر في هذه المطالب الضريبية في ضوء القوانين والمعايير المحاسبية ذات الصلة، وأثرها على سيولة المصارف، فليس من المنطقي أن تُطالب المصارف بالاستعداد للمساهمة في سداد الودائع، فيما تُتخذ إجراءات ضريبية قد تستنزف، مسبقًا، جزءًا من الموارد الضرورية لتنفيذ هذه المساهمة.
في الخلاصة، إن أخطر ما في هذه المقاربة ليس فقط احتمال فرض ضرائب على أرباح لم تتحقق، بل أن تصبح الخزينة المستفيد من خسائر نتجت عن تعثر الدولة نفسها. فإذا كانت الدولة قد توقفت عن سداد ديونها، فلا يجوز أن تتحول خسائر دائنيها إلى مورد جديد لخزينتها.
وإذا لم يُعالج هذا التناقض بحكمة، فعبثًا نحاول إصدار قوانين لاسترداد الودائع، فيما نسمح بإجراءات ضريبية قد تسحب جزءًا أساسيًا من الأموال التي يُعوَّل عليها لإعادة الحقوق إلى أصحابها".