"الأوركسترا الشرق-عربية" في تحية إلى مؤسّسها وليد غلمية

5 دقائق للقراءة

بدعوة من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى"، المؤلّفة الموسيقية هبة القواس، افتتحت "الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية" موسمها الموسيقي الجديد (2026-2027)، بأمسية قادها المايسترو أندريه الحاج، بمشاركة "كورال القسم الشرقي" في "الكونسرفتوار"، بإشراف الأستاذة كاترين غالي وتدريبها، استكمالا لإطلاق "عام 2026 سنة وليد غلمية"، وإحياءً للذكرى الخامسة عشرة لرحيل هذا المعمار الموسيقي الملهم.

افتتحت القواس الأمسية بكلمة حيّت فيها إبداع غلمية وقدّمت قراءة تحليلية لموسيقاه، وجاء فيها: "نعود إلى أغانيه ومقطوعاته الأولى، إلى لبنان الذي كان يسكن سمعه قبل أن يتحول إلى موسيقى، من مرجعيون ووادي التيم وجبل حرمون، إلى مهرجانات بعلبك وبيبلوس وسواها، حيث كانت أعماله جزءًا من زمن استثنائي في تاريخ الموسيقى اللبنانية. في تلك الألحان، ثمة شيء يصعب أن نسميه، لكن الأذن اللبنانية تعرفه فورًا... قبل أن يتجه غلمية إلى مشروعه السمفوني الكبير. ولعلّ في عودتنا اليوم إلى هذه الأعمال سؤالا يتعلق بنا نحن أيضًا: ماذا نفعل بالإرث حين يصبح بين أيدينا؟ هل نحفظه كما وصل إلينا، أم نمتلك المعرفة والجرأة لنضيف إليه؟".

وتابعت: "هذه الأوركسترا التي أسّسها وليد غلمية لا تستطيع أن تكتفي بكونها شاهدًا على تاريخه. عليها أن تكون امتدادًا لفكره الموسيقي. ولهذا، نريد للموسم الجديد أن يحمل انتقالا نوعيًا في مسيرتها... ولعلّ هذا هو التكريم الأعمق لوليد غلمية في عامه: أن نواصل تطوير الأوركسترا التي أسّسها، وأن نذهب بفكرته إلى آفاق لم تُطرق بعد".

وفي لفتة ارتجالية نابعة من صميم الوجدان والوفاء، عبّرت الدكتورة هبة القواس عن خصوصية تأسيس وليد غلمية لـ"الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق-عربية"، وقارنتها بـ"الأوركسترا الفلهارمونية"، إذ اعتبرت أن "الفلهارمونية"، على الرغم من كونها حلمًا كبيرًا تحقّق، فإنها تمثّل تقليدًا عالميًا قائمًا، في حين أن تأسيس "الأوركسترا الشرق-عربية" شكّل ابتكارًا لتقاليد جديدة في العزف والأداء، لم تكن مألوفة في لبنان والعالم العربي.

وفي ختام هذه اللحظة الارتجالية المؤثرة، استحضرت القواس صورة المايسترو أندريه الحاج، قائلة: "عندما يرفع يديه الاثنتين لتحية الجمهور، أتذكّر وليد غلمية، وعندما يعطي إشارات القيادة على المسرح، أتذكّر وليد غلمية، فيبدو تأثّره العميق به منذ أن كان يعزف تحت قيادته على آلة العود، قبل أن يفتح له غلمية المجال ليتبرعم ويصبح هو القائد الذي يقف اليوم على المسرح ليقود هذه الأوركسترا، في امتداد لإرث حي يستمر في العطاء".

وختمت: "إلى المايسترو أندريه الحاج، وإلى موسيقيي الأوركسترا وأعضاء الكورال، وإلى الأستاذة كاترين غالي التي تولّت تدريب الكورال وإعداده لهذه الأمسية، أوجّه تقديري ومحبّتي".

قدّمت الأمسية قراءة تطبيقية شاملة للتنوّع الأسلوبي في إرث وليد غلمية، إذ تناوبت المقطوعات الآلية مع الأعمال الكورالية، لتُظهر الانتقال السلس بين الموسيقى التعبيرية الصامتة والكلمة المغنّاة.

في المقطوعات الآلية (الموسيقى التعبيرية والبرامجية)، تجلّت استقلالية الخطاب الموسيقي في الأعمال التي تحرّرت من سطوة النص الغنائي، لتصبح الآلة نفسها حاملة الفكرة الدرامية والوجدانية. واشتمل البرنامج على أعمال خالية من الغناء، مثل "يا ساكن الليل"، التي أظهرت معالجة كونتراپونطية روحية للطقس البيزنطي، و"المناديل"، و"فتاة ومرآة"، و"نثر حب"، و"بوليرو"، و"خريفية"، و"تلال ورد موسيقى". وهي مؤلفات تكشف عن براعة غلمية في رسم الألوان الأوركسترالية واستكشاف طاقات الآلات الشرقية والغربية، في قالب حواري يتجاوز الشكل التقليدي للرقصات أو الاستعراضات الآلية.

أما على صعيد الكورال والأغنية الأوركسترالية، فقد استعاد الجمهور محطات فارقة تشكّلت منها الذائقة الوطنية والجمالية، منها: "رجعنا" و"قلعة كبيرة" (كلمات الشاعر موريس عوّاد)، و"قول للحلوة" (كلمات الشاعر جورج جرداق)، و"قالوا انطوى" و"يسلم لنا لبنان" (كلمات الشاعر يونس الابن).

وجسّدت "مختارات من ألحان وليد غلمية" الطاقة الإيقاعية والتحوّلات المقامية المركّبة التي ميّزت تعاونه مع كبار أصوات العصر الذهبي، أمثال صباح وفدوى عبيد وجوزف عازار وغيرهم.

ومن حيث القيادة، نجح الحاج في ضبط الطبقات الصوتية المتشابكة، مبرزًا خطوط الكونتراپوان المتداخلة والإيقاعات المركّبة، من دون أن يفقد الجملة الموسيقية اللبنانية وضوحها أو دفأها العاطفي. وكان الكورال بدوره مكافئًا هارمونيًا نجح في نقل الشحنة الوجدانية والوطنية للنصوص الشعرية.

هذه الشحنة الوجدانية، المستمدّة من الذاكرة التي صنعها وليد غلمية ورسّخها في وجدان اللبنانيين، تجلّت بوضوح في الأمسية، في تفاعل الحضور الكبير ومشاركتهم في أداء الأغنيات التي تستحضر ذكرياتهم المفعمة بحنين لا يمحوه الزمن. وقد أعادوا الأوركسترا إلى المسرح بعد انتهاء البرنامج، لتعزف من ألحان غلمية مجددًا. وحتى بعد عودتها الثانية وتقديم فقرة "البيس" الإضافية، واصل الجمهور الغناء منفردًا، من دون مرافقة موسيقية، لأغنية "يسلم لنا لبنان"، وكأن الحاضرين أصبحوا كورالا لا يريد التوقّف عن استعادة حنينه إلى الزمن الذهبي. هكذا، بدت ذاكرة وليد غلمية الحيّة في وجدانهم المحرّك الأساسي لذلك التماهي والتفاعل مع أمسية ساحرة لا تُنسى.