يقف لبنان أمام مرحلة التحديات الكبرى والتاريخية، في ظل تصاعد التحذيرات من احتمال اندلاع مواجهة جديدة بين إسرائيل وإيران، وما قد تحمله من تداعيات تتجاوز حدود البلدين لتطال المنطقة بأكملها. وعلى الرغم من ارتفاع نبرة التحذيرات التي وصلت إلى بيروت من مغبة ارتكاب أي خطأ في حسابات الحرب المقبلة، لا يزال "حزب الله" يتصرف وكأن لبنان قادر على تجنب ارتدادات المواجهة من دون تسوية داخلية واضحة، فيما تبدو البلاد أمام خيارات تضيق مساحتها يومًا بعد يوم.
المشكلة لا تتعلق فقط باحتمال انخراط "الحزب" في حرب جديدة، بل أيضًا باستمرار رفضه فتح حوار جدي مع الدولة اللبنانية حول مستقبل سلاحه ودوره العسكري، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى قرار وطني يعبّر عن مصالح اللبنانيين، لا عن حسابات المحاور الإقليمية. فالأبواب لا تزال مفتوحة أمام حوار غير مشروط، يتيح البحث في ضمانات الأمن والسيادة ومستقبل الجنوب، بعيدًا من منطق الإملاءات أو الرهانات على متغيرات خارجية قد لا تأتي في التوقيت الذي ينتظره أحد. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يستطيع "الحزب" أن يتحدث لبنانيًا وليس إيرانيًّا انطلاقًا من مصلحة لبنان، قبل أن تفرض الوقائع الإقليمية خيارات أكثر قسوة؟
في المقابل، تقوم مقاربة الدولة اللبنانية، على حماية ما تبقى من الجنوب، ومنع توسيع رقعة الخسائر، ومواصلة المسار التفاوضي لخلق الظروف السياسية والدبلوماسية التي تتيح فرض الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال. وهي استراتيجية لا تخلو من الصعوبات، لكنها تراهن على تثبيت ما يمكن تثبيته، واستعادة الأرض تدريجيًا، والحؤول دون تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. غير أن نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة المؤسسات اللبنانية على توحيد موقفها، وبمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة تمنح التفاوض فرصة حقيقية.
وتزداد خطورة المشهد مع ما يُتداول عن رسائل إسرائيلية، نُقلت عبر قنوات أممية وأميركية وغيرها، تتضمن تهديدات بتوسيع العمليات العسكرية وصولا إلى الضاحية الجنوبية، إذا اعتبرت تل أبيب أن الدولة اللبنانية تماطل في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بحصر السلاح. وفي ظل اندفاعة إسرائيلية نحو التصعيد وتهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأنه سيدخل إلى الضاحية الجنوبية وينزع السلاع، تصبح هذه التهديدات عاملا إضافيًا في رفع منسوب القلق المصيري، خصوصًا أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة في أهداف عسكرية، بل ستترك آثارًا عميقة على البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع اللبناني. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الرسائل المنقولة والتقديرات السياسية من جهة، والقرارات العسكرية الفعلية من جهة أخرى، إذ لا يمكن الجزم بمسار الأحداث قبل اتضاح الوقائع.
إقليميًا، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق كبير، إمّا حرب واسعة تفرز رابحين وخاسرين وتعيد توزيع موازين القوى، وإمّا صفقة شاملة تفرض ترتيبات جديدة وتعيد رسم خرائط النفوذ. وفي الحالتين، لن تكون النتائج تعديلا عاديًا في العلاقات بين الدول، بل قد تؤسّس لمرحلة طويلة من التحوّلات الاستراتيجية. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين سيكون لبنان في هذه المعادلة؟ هل يدخل التسوية بقرار مستقل وموقع تفاوضي واضح، أم يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل مع نتائج حرب لم يكن يملك قرارها؟
في هذا السياق، تتركز النصائح العربية والدولية، وفق الطروحات المتداولة، على تحصين الجبهة الداخلية، وتغليب الحوار، واحتواء التوتر خلال الأسابيع المقبلة، وصولا إلى نهاية العام. فالمسألة لا ترتبط حصرًا بالانتخابات النصفية الأميركية، وقد لا تشهد المرحلة السابقة لها تطورات حاسمة، لكن نهاية العام قد تحمل مؤشرات أوضح إلى اتجاه المنطقة نحو تسوية واسعة أو تصعيد كبير. ومع أن تحديد موعد نهائي للحسم يبقى تقديرًا سياسيًا لا حقيقة محسومة، فإن الاستعداد للسيناريوهين بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة عملية تقوم على فك الارتباط العسكري لـ"حزب الله" بإيران، والتوصل إلى تفاهم مع الدولة اللبنانية بشأن جدول زمني واضح لتسليم السلاح، يبدأ بالسلاح الهجومي بالتوازي مع بدء الانسحاب الإسرائيلي، وينتهي بمعالجة ملف السلاح الدفاعي بالتزامن مع إعادة الإعمار وترسيخ الضمانات الأمنية. وتحتاج هذه الصيغة إلى تفاوض جدي، وضمانات قابلة للتنفيذ، والتزامات متبادلة تحول دون أن يتحول الانسحاب أو نزع السلاح إلى خطوة أحادية تترك لبنان مكشوفاً أمام المخاطر.
الفرصة لا تزال قائمة لطرح هذه الورقة وتسويقها عبر حوار لبناني مسؤول، لكن استمرار الجمود قد يبدّدها أو يرفع كلفتها. فلبنان ليس مضطرًا إلى الاختيار بين الاستسلام للتهديدات أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وأمامه أيضًا خيار بناء حلّ يحمي الأرض ويعيد القرار إلى مؤسساته. أمّا إذا غلب العناد على التسوية، فقد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع جديد يُرسم خارج حدودهم، فيما يدفعون هم الثمن الأكبر.