ميشال طوق

"الحشيشة" شرعيّة على الورق ومزارعوها خارج القانون

4 دقائق للقراءة
ستّ سنوات مرت على إقرار مجلس النواب قانون تنظيم زراعة القنّب

ستّ سنوات مرت على إقرار مجلس النواب قانون 178/2020 تنظيم زراعة القنّب للاستخدامات الطبية والصيدلانية والصناعية، فاتحًا الباب أمام إخراج محصول البقاع من الاقتصاد غير الشرعي وتحويله إلى قطاع منتج يستقطب الاستثمارات ويؤمّن إيرادات للخزينة. لكنّ اليوم، وبعد ستّ سنوات، لم يحصل أيّ مزارع على ترخيص قانوني. القانون موجود، والهيئة الناظمة تشكّلت، والمراسيم والأنظمة، بحسب رئيسها الدكتور داني فاضل، أُعدّت. أمّا التنفيذ، فلا يزال غائبًا. وكيف يمكن لقطاع يُقدَّم كفرصة اقتصادية واعدة أن يبقى معلّقًا على حبال البيروقراطيّة الإدارية، فيما لا تزال زراعة "الحشيشة" خارج الإطار القانوني الذي وُضع (شكليًا) لتنظيمها؟


من المراسيم إلى الأدراج

تأخّر تشكيل الهيئة الناظمة حتى تموز 2025، أي نحو خمس سنوات على إقرار القانون. وبعد تعيينها، بقي إصدار التراخيص مرتبطًا باستكمال الإجراءات التنفيذية.

وفي حديث لـ"نداء الوطن"، يؤكد فاضل أنّ الهيئة أنجزت الأنظمة والمراسيم المطلوبة، وأعدّت منصّة إلكترونية لاستقبال طلبات الترخيص. ويوضح أنّ وزارة المال طلبت تعديلات إجرائية وصياغية، استكملتها الهيئة، لكنّ الملف لم يتقدّم بعدها.

ويعزو فاضل التعطيل إلى مراكز نفوذ داخل الوزارات، في ما يصفه بـ"الدولة العميقة". المطلوب أن تكشف الحكومة أين أصبح الملف، وما التوقيعات التي تنقصه، وأي جهة لا تزال تمنع انتقاله إلى التنفيذ. فبعد سنوات من الانتظار، لم يعد مقبولا أن تبقى المسؤولية موزّعة بين الإدارات، من دون جواب واضح أو مهلة محدّدة.

لم يؤدِّ إقرار القانون إلى إنهاء الزراعة غير الشرعية، بل بقي المزارع البقاعي، الذي كان يُفترض أن يكون المستفيد الأول من التنظيم، خارج السوق القانونية. ووفق فاضل، يستمرّ المنتجون في مواجهة الملاحقة والارتهان للمشترين في السوق غير الشرعية، في ظلّ غياب قنوات مرخّصة تتيح لهم بيع محاصيلهم.

هنا يكمن جوهر المفارقة: شرّعت الدولة زراعة القنّب ضمن شروط محدّدة، لكنّها لم توفّر للمزارعين الطريق، إذا صحّ التعبير، التي تسمح لهم بالالتزام بهذه الشروط. والنتيجة أنّ الاقتصاد غير الشرعي يحتفظ بموقعه، فيما يبقى القانون عاجزًا عن تحقيق الغاية التي أُقرّ من أجلها، فبين القرار والتنفيذ مزارعون معلقون في شباك القنوات التنفيذية.

لكنّ إصدار التراخيص، على ضرورته، لا يكفي وحده. فالسوق الطبية والصيدلانية لا تقوم على المحصول الخام وسمعة "حشيشة" البقاع التاريخية، بل على الفحوص المخبرية وضبط الجودة وإمكان تتبّع الإنتاج والالتزام بمعايير التصدير.

والأهمّ ألّا تتحوّل السوق الجديدة إلى امتياز محصور بالشركات القادرة على تحمّل كلفة التراخيص والفحوص، فيما يُترك المزارعون التقليديون خارجها. فهذا التنظيم لا يضمن شروط منافسة واضحة، وإمكان الوصول إلى المختبرات والتمويل وعقود الشراء، قد يستبدل احتكاراً غير شرعي بآخر قانوني.


الفرصة لا تنتظر

لا تنقص لبنان الوعود الاقتصادية. لكنّ تقديرات المليارات المتداولة حول القطاع لا تعني أنّ هذه الأموال ستدخل الخزينة، ولا أنّ المزارعين سيحصلون تلقائيًا على حصة عادلة منها. القيمة الفعلية تكمن في بناء سلسلة إنتاج تشمل التصنيع الدوائي والأبحاث والمختبرات والتوضيب والتصدير، لا في بيع المحصول وحده لاستخدامات شخصية.

وهذا كلّه يفترض أن تبدأ الدولة من الخطوة الأولى التي لا تزال عاجزة عن إنجازها: إصدار التراخيص.

لن ينقذ القنّب الاقتصاد اللبناني، لكنّه يفتح بابًا جدّيًا أمام الإنتاج والاستثمار والتصدير. والمفارقة أنّ الدولة لا تزال تعجز عن فتح هذا الباب، بعد ستّ سنوات على إقرار القانون.

فإذا كانت التشريعات قد أُقرّت، والهيئة شُكّلت، والأنظمة أُعدّت، فمن يعطّل التنفيذ؟