د. بولا أبي حنا

أوباما وترامب: معركة الكونغرس وحدود السلطة

5 دقائق للقراءة

لم يعد السجال بين باراك أوباما ودونالد ترامب مجرد مواجهة كلامية بين رئيس سابق ورئيس حالي، بل بات جزءًا من معركة سياسية أوسع على مستقبل السلطة في الولايات المتحدة. فعلى مسافة أيام من انتخابات منتصف الولاية، المقررة في الثالث من تشرين الثاني، دخل الرجلان في مواجهة تتجاوز حسابات الحزبين إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تمنح الانتخابات ترامب فرصة لمواصلة مشروعه بأقل قدر من القيود، أم تتحول إلى أداة لإعادة التوازن بين الرئاسة والكونغرس؟

في الرابع والعشرين من تشرين الأول، عاد أوباما إلى المنابر الانتخابية في أوهايو وميشيغان، وشنّ هجومًا حادًا على إدارة خلفه، واصفًا مرحلتها بالفوضى والقسوة والفساد وسوء الكفاءة. لم تكن كلماته مجرد اعتراض على سياسات بعينها، بل محاولة لتعبئة الناخبين حول فكرة أن الانتخابات المقبلة تتيح لهم محاسبة السلطة. وفي اليوم التالي، ردّ ترامب عبر منصته «تروث سوشال»، واصفًا رئاسة أوباما بعدم الكفاءة، ومستحضرًا خسارة هيلاري كلينتون عام 2016 وكامالا هاريس عام 2024، رغم دعم أوباما لهما. كما هاجم المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان، عبدول السيد، مستخدمًا أوصافًا اتهامية حادة. هكذا تحوّل الخلاف إلى مواجهة مباشرة بين رئيسين سابق وحالي، لكل منهما تصوره عن إخفاقات الآخر ومخاطره.

لكن لماذا يعود أوباما إلى واجهة المواجهة الآن؟ ولماذا يبدو أن ترامب يتعامل مع الانتخابات كما لو أنها استحقاق رئاسي جديد؟

أولًا، لأن أوباما لا يدخل المعركة بصفته مرشحًا، بل باعتباره أحد أكثر الشخصيات الديمقراطية قدرة على تعبئة القاعدة الانتخابية وتوحيد الخطاب الحزبي. فالحزب الديمقراطي يحتاج، في مواجهة رئيس يهيمن على المشهد السياسي والإعلامي، إلى شخصية تستطيع تجاوز حدود السباقات المحلية وربطها برسالة وطنية جامعة. ومن هنا، لا يقتصر دور أوباما على انتقاد ترامب، بل يتمثل في محاولة تحويل الانتخابات إلى استفتاء سياسي على أداء الإدارة، وعلى مدى التزامها بالوعود التي قطعتها للناخبين.

وقد ركّز أوباما على تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والحرب مع إيران، معتبرًا أن قرارات الإدارة أسهمت في زيادة الأعباء على المواطنين. كما اتهم ترامب باستغلال السلطة لتحقيق منافع شخصية، وهي اتهامات سياسية ينبغي تمييزها عن الوقائع التي تثبتها التحقيقات والأحكام القضائية. وفي ميشيغان، قدّم أوباما الانتخابات بوصفها فرصة لتفعيل ما يشبه «قاطعًا كهربائيًا» يحدّ من التجاوزات ويعيد المساءلة إلى الحكم. وهذه الصورة تختصر رهانه: لا يستطيع الرئيس السابق تغيير السياسات بنفسه، لكنه يستطيع دعوة الناخبين إلى تغيير ميزان القوى الذي يسمح بها.

أما ترامب، فيدرك أن خسارة الأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس لا تعني فقدانه الرئاسة، لكنها قد تعني شيئًا بالغ الأهمية: أن يصبح العامان الأخيران من ولايته أكثر صعوبة. فالانتخابات النصفية لا تختار رئيسًا جديدًا، بل تحدد هوية أعضاء مجلس النواب وجزء من أعضاء مجلس الشيوخ، وبالتالي تحدد إلى حد بعيد قدرة الإدارة على تمرير التشريعات والموازنات، وتؤثر في مستوى الرقابة والتحقيقات التي يمكن أن يواجهها البيت الأبيض.

من هنا، لا تبدو الانتخابات مجرد منافسة دورية بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل اختبارًا لحدود القوة الرئاسية. فإذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم، تعززت قدرة ترامب على مواصلة أجندته التشريعية. أما إذا انتقلت الأغلبية في أحد المجلسين إلى الديمقراطيين، فقد تدخل واشنطن مرحلة من المواجهة المؤسسية، حيث تصبح التسويات أصعب، وتزداد الرقابة على السلطة التنفيذية، ويتحول الكونغرس إلى ساحة مركزية للصراع على السياسات والموارد والقرارات.

ومع ذلك، لا ينبغي اختزال عودة أوباما في كونها دليلًا على قوة الديمقراطيين وحدها. فهي تكشف أيضًا عن حاجتهم إلى شخصية ذات حضور وطني واسع، في وقت يحاول فيه الحزب إعادة بناء رسالته واستعادة ثقة الناخبين. لكن الحضور الجماهيري لا يضمن الفوز، وشعبية أوباما بين الديمقراطيين لا تعني أن خطابه سيقنع بالضرورة الناخبين المستقلين أو المترددين. فالنتيجة ستتوقف كذلك على الاقتصاد، وتقييم المواطنين لأداء الإدارة، وقدرة المرشحين المحليين على إقناع ناخبيهم بأنهم يقدمون حلولًا عملية، لا مجرد اصطفاف في مواجهة ترامب.

في المقابل، يحاول ترامب نقل المعركة من مساءلة إدارته إلى التشكيك في سجل خصومه، مستحضرًا هزائمهم السابقة ومهاجمًا مرشحيهم. إنها استراتيجية مألوفة في السياسة الأميركية: تحويل الانتخابات من تقييم للحاضر إلى مقارنة بين مخاطر البدائل. لكن الإفراط في شخصنة الصراع قد يرتد على صاحبه إذا قرر الناخبون أن أداء الإدارة الحالية هو القضية التي تستحق المحاسبة.

الأهمية الحقيقية لانتخابات 2026، إذًا، لا تكمن في أنها ستنهي ولاية ترامب، بل في أنها ستحدد طبيعة ما تبقى منها. فقبل نحو عامين من انتهاء ولايته الثانية، يقف الرئيس أمام اختبار لقدرته على الاحتفاظ بالتفويض السياسي الذي يستند إليه، بينما يحاول أوباما إقناع الأميركيين بأن استخدام صناديق الاقتراع لا يقتصر على اختيار ممثليهم، بل يشمل أيضًا ضبط السلطة ومساءلتها.

وبين رئيس يسعى إلى الحفاظ على هامش واسع للتحرك، ورئيس سابق يدعو إلى إعادة التوازن، لا تُحسم المعركة بعدد التصريحات النارية ولا بحدة الردود، بل بما سيقرره الناخبون في صناديق الاقتراع. فالسؤال الذي ستجيب عنه هذه الانتخابات ليس مَن انتصر في السجال بين أوباما وترامب، بل ما إذا كان الأميركيون يريدون منح الرئيس مساحة أوسع للحكم، أم جعل الكونغرس قوة موازنة أكثر فاعلية في العامين الأخيرين من ولايته.

وهنا تكمن دلالة الانتخابات: إنها ليست معركة على الرئاسة، بل معركة على حدودها.

أستاذة جامعية