الدكتور سايد حرقص

لبنان بين شبح الحرب وعجز الدولة…

3 دقائق للقراءة

يقف لبنان اليوم أمام أخطر مفارقة في تاريخه الحديث: بلدٌ مهدّد بحرب قد تدمّر أرضه وتستنزف شعبه، ودولةٌ عاجزة عن فرض سيادتها وحماية مصالحها. وبين تصاعد التهديدات الإسرائيلية، وتضارب الحسابات الإقليمية والدولية، واستمرار الانقسامات الداخلية، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مصير يتأرجح بين تسويات تُقرَّر خارج حدودهم ومواجهات قد يدفعون هم وحدهم أثمانها. 


من الجهة الإسرائيلية، بات من المسلّم به أن الانتخابات، مهما كانت نتائجها، لن تُحدث تغييرًا جذريًا في النهج الإسرائيلي، بسبب خيارات استراتيجية ترسّخت بعد عملية طوفان الأقصى، وتقوم على توظيف القوة العسكرية لفرض الوقائع على الأرض. أما الحسابات الأميركية والإيرانية، فتتأرجح بين احتمالات التسوية الدبلوماسية ومخاطر مواجهة واسعة قد تتجاوز تداعياتها كل ما هو متوقّع حتى الآن، وسط مواقف متقلّبة للرئيس الأميركي تزيد المشهد ضبابية. وهكذا، يجد لبنان نفسه واقفًا على حافة بركان إقليمي، في منطقة تغلي بالصراعات والتناقضات، حيث قد تتحوّل أي خطوة غير محسوبة إلى شرارة مواجهة عسكرية يصعب احتواء تداعياتها.


من هنا، لا تكمن خطورة المرحلة في تصاعد مخاطر الحرب فحسب، بل أيضًا في عجز السلطة اللبنانية عن بلورة رؤية وطنية متكاملة تحول دون انزلاق البلاد إلى مزيد من الفوضى والانهيار. فحماية السلم الأهلي، وفرض القانون، ومكافحة الفساد، وتعزيز دور المؤسسات، ليست ملفات منفصلة عن معركة استعادة الأرض المحتلة، بل تشكّل شروطًا أساسية لبناء دولة قوية وقادرة على حماية أرضها وشعبها، واستعادة ما احتُلّ من أراضيها عبر المفاوضات، بعدما أثبتت الخيارات العسكرية الأخرى عجزها عن تحقيق النتائج المرجوّة.


المعيار الحقيقي اليوم يبدأ بتقديم منطق الدولة على منطق المصالح الضيقة، وبالانتقال من تبادل الاتهامات إلى بناء تفاهم وطني يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، ويحوّل المخاوف المشتركة إلى إرادة سياسية تحمي البلاد من الحرب والاحتلال والفتنة.


أما الرهان على نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، أو على ما ستقرّره طهران أو غيرها من العواصم، لتحديد مصير لبنان، فهو رهان على الخارج لن يفضي إلى بناء دولة مستقرة ومزدهرة، ولا إلى صون سيادتها واستقلال قرارها. وتزداد خطورة هذا الرهان حين يستمر جزء من حاملي الجنسية اللبنانية في التعامل مع الكيان اللبناني وكأنه خيار مؤقت، ينتظرون تبدّل موازين القوى الإقليمية للالتحاق بمشروع سياسي أو دولة أخرى. فالأوطان لا تُبنى على انتظار تبدّل الظروف، ولا تُصان سيادتها بازدواجية الولاء، ولا يُحفظ مستقبلها برهن مصيرها لإرادات خارجية، بل بإيمان راسخ بنهائية الكيان اللبناني، وبأن مصلحة لبنان وشعبه يجب أن تعلو على كل ارتباط أو مشروع يتعارض مع سيادته واستقلال قراره.


إن لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من المزايدات والمغامرات والمقامرات بمصير شعبه، بل بات أمام لحظة مصيرية لا تحتمل التردّد أو المساومة أو الهروب من المسؤولية. فبين شبح الحرب وعجز الدولة، لا تكون النجاة بانتظار ما ستقرّره العواصم، ولا بتعليق مصير الوطن على حسابات مصالح الآخرين، بل بسلطة تتحلّى بالجرأة والحزم، وتترجم قراراتها إلى أفعال، وتفرض سيادة الدولة بالقانون، لا بالشعارات. فإما أن تستعيد الدولة زمام المبادرة وتتحمّل مسؤوليتها في حماية الأرض والشعب وما تبقّى من مقوّمات الوطن، وإما أن يستمرّ لبنان مكشوفًا أمام العواصف، رهينةً لصراعات الآخرين، فيما يدفع اللبنانيون ثمن عجز سلطتهم وارتهان قرارهم.