لم يكن اللون يومًا للطلاء. لطالما كانت الألوان وسيلة لتوسعة الجغرافيا والزمان. في لوحته عن الطوباوي إلياس الحويك في عبرين، يقدّم لنا شوقي دلال فلسفات متداخلة: فلسفة المكان، وفلسفة الزمان، وفلسفة اللون، وفلسفة التأمل.
فالضوء في هذا العمل ينزاح لونًا على جدران المكان. وإذا تأملنا هذا الانزياح، لفهمنا معنى الانقلاب الداخلي عند الإنسان، أو الانقلاب المعرفي، كما يسمّيه الدكتور ألخندرو بيطار.
الفكرة في هذا العمل بذرة. بذرة بيضاء تبدأ من عمق بعيد، وتقترب لتلامس السطح، فتطرد من حولها ما يحدّ نموها وسيطرتها على المكان.
إن تأطير الأبيض بالأخضر يوحي بأن النماء شكل من أشكال الحياة.
لم تعد النافذة في عمل دلال مجرّد شبّاك يطل على الخارج، بل تحولت إلى منبع للوجود. أما توسيطها في اللوحة، فقد منح العمل معناه التأملي، وجعلها مركزًا تتجمع حوله بقية العناصر.
استطاع دلال أن ينتشل لونًا جديدًا، أحاط به النافذة التي ولّدها من الأبيض والأخضر.
هذا اللون من درجات الأصفر، لكنه أقرب إلى لون التبن، إن جازت التسمية. والتبن هو ما ينتج عن درس محاصيل القمح فوق بيادر الفلاحين. هناك يُفصل الحب عن القش، ويتحوّل الأخير إلى تبن.
يأكل الإنسان قمحه، وتعتلف المواشي والدواب على تبنه.
القمح في لوحة دلال هو لبّ النافذة، لكنه قمح مقشّر.
أما التبن فهو الجدار، وتلاشيه حتى حدّ التراب في أسفل اللوحة وأعلاها وأقصى يسارها.
لماذا لاشَى دلال الضوء حتى صار ترابًا داكنًا؟ لافتقار الجغرافيا إلى المعنى إذا غاب الإنسان.
البناء اللوني في هذا العمل عمودي. قسمه دلال إلى جانبين: أيمن مضيء، وأيسر معتم. والأمر يردّنا إلى فلسفة الإيمان القائمة على التيامن والتياسر.
تعامل دلال مع الكتب بفلسفة اللون التشكيلية.
هذا العمل، المؤثث بتداخل الأشكال والظلال، تتقاطع فيه عدة فلسفات، وقد مكّن هذا التداخل دلال من توظيف التدرج الضوئي، ومنح الكتب في أسفل العمل مكانها الذي يعني ما يعنيه.
فالمكان للطوباوي، والطوباوي يبلغ مرحلة تصبح فيها الكتب ركيزة للضوء الروحي، ذلك الضوء الذي يعجز الطين عن تسلّق حباله.
لذا يظل الطوباوي أقرب إلى الجسد، أقرب إلى الأرض، إلى التراب. لأن الحياة، وإن سبحت طاقتها في اللامحدود، تبقى نواتها في باطن الطين. والطين جسد، أو العكس.
هذا العمل يُقرأ بعيون الجغرافي، بقدر ما يُقرأ بعيون الخلّاق الذي يمنح الجدران معانيها، ويجعلها تحفظ تاريخ الإنسان.