بغداد ودمشق... المصالح ترسم الطريق

3 دقائق للقراءة
الشرع خلال اجتماعه مع الزيدي في دمشق أمس (رويترز)

تؤشّر زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى دمشق أمس إلى انتقال العلاقة السورية - العراقية من إدارة الحذر إلى بناء شراكة تفرضها الجغرافيا وتدفع إليها التحوّلات الإقليمية. فبعد مرحلة اختبار متبادل أعقبت سقوط نظام الأسد، تمنح الزيارة، وهي الأولى لرئيس حكومة عراقية منذ ذلك التحوّل، غطاءً سياسيًّا للانتقال من التواصل الأمني والزيارات القطاعية إلى تفاهم أوسع على المصالح.

يتصدّر النفط هذا التقارب، لأن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز كشف كلفة اعتماد العراق على منافذ تصدير معرّضة للاختناق. ويكتسب إحياء خط حديثة ـ بانياس قيمة استراتيجية تتجاوز حسابات النقل. فالمنفذ المتوسطي يوسّع خيارات بغداد، ويمنحها قدرة أكبر على حماية تدفّق صادراتها عند اضطراب الممرّات البحرية.

أمّا دمشق، فيُتيح لها المشروع فرصة لاستثمار موقعها بوصفه موردًا اقتصاديًّا. فعبور النفط العراقي يمكن أن يوفّر إيرادات وخدمات وفرص عمل، ويحفّز تأهيل البنية التحتية، ويعيد وصل الاقتصاد السوري بحركة التجارة الإقليمية. وتضيف مشاركة ائتلاف تتقدّمه "شيفرون" الأميركية بُعدًا استثماريًّا دوليًّا، مع بقاء التنفيذ مرتبطًا بالتمويل والأمن والجدوى الفنية. فالطاقة المطروحة، البالغة مليوني برميل يوميًّا، تعبّر عن طموح المشروع، ويظلّ بلوغها مرهونًا بإعادة تأهيل خط خرج من الخدمة منذ عام 2003.

ويمتدّ منطق التكامل إلى التجارة والزراعة. فحدود تتجاوز 600 كيلومتر تستطيع، متى استقرّت وانتظمت حركة العبور، أن تتحوّل إلى مساحة لتبادل السلع وتوسيع الأسواق وبناء سلاسل إمداد غذائية. ويمنح ذلك البلدين مصلحة مباشرة في ضبط التهريب وتسهيل الإجراءات وحماية الطرق.

لكن الأمن هنا يُصبح شرطًا للعائد الاقتصادي. فالتعاون بشأن الحدود والمشتبه في انتمائهم إلى تنظيم "داعش" والمعتقلين السوريين يختبر قدرة الحكومتين على توزيع المسؤوليات ومعالجة الملفات الحسّاسة. وتكتسب إشارة الشرع إلى مسؤولية سوريا عن مواطنيها أهمّيتها بوصفها مدخلًا لتخفيف عبء تتحمّله بغداد وبناء ثقة قابلة للاستمرار.

سياسيًّا، تعكس الزيارة تقدّم حسابات المنافع المتبادلة على إرث الخصومة وحساسيات الماضي. ويبدأ امتحانها الفعلي بتحويل التقارب إلى عقود قابلة للتنفيذ وترتيبات أمنية مستقرّة. عندها تستطيع دمشق أن تستعيد جزءًا من دورها الاقتصادي الإقليمي، ويحصل العراق على عمق تجاري ومنفذ استراتيجي، وتكتسب العلاقة قاعدة مصلحية تمنحها قدرة أكبر على الصمود أمام تقلّبات السياسة.