أورور كرم

نتنياهو بدّل وجه الشرق الأوسط… ولم يتبدّل

3 دقائق للقراءة
خلال احتفال أنصار "الليكود" في القدس فجر أمس (أ ف ب)

على الرغم من كلّ استطلاعات الرأي، وكلّ الأرقام والتحليلات التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية، والتي رجّحت تراجع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفتحت الطريق أمام غادي آيزنكوت لإقصائه من الحياة السياسية، جاءت النتائج لتؤكّد أنّ المشهد مغاير لما رسمته التوقّعات. فقد تصدّر حزب "الليكود" النتائج، فيما تقاربت موازين المعسكرين، من دون أن يتمكّن أي منهما من بلوغ الأكثرية المطلوبة لتشكيل الحكومة. لم يسقط نتنياهو، كما تمنّى خصومه وتوقّع كثيرون، ولم يتمكّن آيزنكوت من تحويل زخم المعارضة إلى تفويض واضح للحكم.

هنا تكمن المفارقة: لم تكن المشكلة في الأرقام وحدها، بل في التعامل معها كأنّها نتائج محسومة قبل أن يقول الناخب كلمته. وهذه ظاهرة تتكرّر في الانتخابات الديموقراطية، من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأوروبية، حيث لا تعكس استطلاعات الرأي دائمًا النتيجة الفعلية، ولا سيّما حين تتحوّل التوقّعات إلى قناعات سياسية. ولعلّ ذلك هو ما دفع آيزنكوت إلى استباق النتائج الرسمية ليُعلن باكرًا أن حياة نتنياهو السياسية قد انتهت، مستندًا إلى قراءة اعتبر فيها أن الجمهور اختار التغيير. لكنّ الحسابات النهائية بقيت مفتوحة، وأثبتت أن إعلان نهاية نتنياهو كان سابقًا لأوانه.

والسؤال الذي يطرح نفسه في لبنان: هل ارتكب بعض القادة السياسيين الخطأ نفسه؟ هل بنوا حساباتهم على فرضية أن نتنياهو سيرحل قريبًا، وأن إسرائيل ستدخل مرحلة سياسية جديدة تُتيح التعامل مع شخصية أكثر مرونة واستعدادًا للتسويات؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنّ الرهان على الوقت قد يتحوّل إلى خطأ استراتيجي، لأنّ نتنياهو، حتى من دون أكثرية مضمونة، لا يزال في صدارة المشهد السياسي، فيما يستعدّ لفتح جبهة إضافية تُضاف إلى جبهات حروبه، وهي جبهة تأليف الحكومة.

ففي معركة تأليف الحكومة، يمتلك نتنياهو ورقة أساسية: إمكانية التفاوض على ائتلاف يميني، مستفيدًا من التقارب الأيديولوجي والسياسي مع أحزاب معسكره. أمّا آيزنكوت، فيواجه معضلة أكثر تعقيدًا، إذ إن تأليف حكومة بديلة قد يتطلّب الاستعانة بالأحزاب العربية، سواء بالمشاركة أو بالدعم من الخارج. وهذا الخيار، وإن كان ممكنًا حسابيًّا، يُثير اعتراضات سياسية وشعبية، وقد يضع المعارضة أمام تناقض بين رغبتها في إزاحة نتنياهو وصعوبة بناء أكثرية متماسكة من دون أصوات لا تتّفق معها في ملفات الأمن والحرب وهوية الدولة. وهذه إحدى أهمّ أوراق نتنياهو، وإن لم تكن ضمانة كافية لنجاحه في التأليف.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن دعمه العلني لنتنياهو قبل الانتخابات. فهذا الدعم يتجاوز البُعد الشخصي، ويعكس تقاطعًا في الرؤية حيال ملفات المنطقة، ولا سيّما إيران والأمن الإقليمي. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقرّرة في 3 تشرين الثاني، تزداد أهمّية العلاقة بين الرجلين، لكن يبقى من المبكر الجزم بما ستؤول إليه نتائج الانتخابات الأميركية أو ما قد يليها من قرارات عسكرية وسياسية.

لقد غيّرت السنوات الثلاث من الحرب موازين القوّة في الشرق الأوسط، من غزة إلى لبنان وصولًا إلى المواجهة مع إيران. ونتنياهو، الذي جعل تغيير الواقع الإقليمي عنوانًا لمشروعه، لا يزال متمسّكًا بهذا المسار. قد يتعثّر في تشكيل حكومته، وقد يواجه ضغوطًا داخلية، لكن لا شيء يبرّر افتراض أن خروجه بات وشيكًا، أو أن غيابه سيغيّر تلقائيًّا النهج الإسرائيلي.

نتنياهو بدّل وجه الشرق الأوسط، لكنه لم يتبدّل. أمّا لبنان، فلا يجوز أن يربط مصيره برحيل لم يحدث، أو باستطلاعات لا تصنع الوقائع.