يقف لبنان اليوم أمام معادلة خطيرة تختصر مأساة تاريخه السياسي الحديث: دولة تتآكل سيادتها بين مشروع إيراني يوظّف، عبر حزب الله، موقع لبنان في حساباته الإقليمية، ومشروع إسرائيلي استراتيجي يستغل تفوقه العسكري والتكنولوجي لفرض وقائع أمنية وعسكرية على أرضه. وبين الطرفين، يبقى اللبنانيون عالقين بين حرب قد تُفرض عليهم باسم إسناد الحلفاء، وعمليات عسكرية واسعة تُبرَّر باسم الأمن، فيما تتراجع الدولة عن أداء دورها الطبيعي في حماية الأرض والإنسان.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس تعرضها لاعتداء خارجي فحسب، بل فقدانها القدرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم. فعندما يصبح احتمال دخول لبنان في مواجهة عسكرية مرتبطاً بالقرار الإيراني أو بحسابات الأمن الاسرائيلي، يتحول أمن اللبنانيين إلى رهينة قرارات لا يملكون التحكم بنتائجها.
وقد أثبتت التجارب، من فدائيي منظمة التحرير الفلسطينية إلى مقاتلي حزب الله، فشل النظرية الناصرية التي روّجت لفكرة أن الجيوش النظامية عاجزة عن هزيمة إسرائيل، وأن الكفاح المسلح الذي تقوده التنظيمات والميليشيات هو السبيل الوحيد لتحقيق النصر. وهي النظرية التي تعزز حضورها بعد نكسة عام 1967، وعبّرت عنها أغنية أم كلثوم «أصبح عندي الآن بندقية»، من كلمات نزار قباني وألحان محمد عبد الوهاب. لكن التجربة اللبنانية أظهرت أن التضحية بلبنان حفاظاً على سلامة الدول العربية، وتحويل أرضه إلى ساحة حصرية للمواجهة من أجل تحرير فلسطين، لم يؤدِّ إلى تحرير فلسطين، بل ساهم في تدميره واستنزافه، وعرّض شعبه لخسائر جسيمة، من دون تحقيق الأهداف التي رُفعت لتبرير تلك المواجهات.
من هنا، لا يجوز أن يبقى لبنان ملحقاً بالجغرافيا السياسية لإيران، أو أن تتحول أرضه إلى ورقة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. فالتضامن مع أي قضية إقليمية لا يمنح أحداً حق مصادرة القرار الوطني، كما أن أي تحالف لا يمكن أن يتحول إلى تفويض مفتوح بتقرير مصير شعب بأكمله وتعريضه للحروب وتداعياتها.
غير أن استمرار هذه المعادلة لا يعود إلى التدخل الخارجي وحده، بل يرتبط أيضاً بضعف السلطة اللبنانية وترددها في تنفيذ قراراتها، فضلاً عن الانقسام الداخلي الذي يوفر بيئة ملائمة لتوسّع النفوذ الخارجي. فكلما تعذر التوافق على مرجعية وطنية واحدة، ازدادت قدرة القوى الخارجية على التأثير في القرار اللبناني، وتحولت مؤسسات الدولة إلى ساحة للتجاذبات، بدلاً من أن تكون الإطار الجامع لبناء مشروع وطني مستقل.
وفي هذا السياق، يكتسب سؤال وليد جنبلاط: «إلى متى سنبقى أدوات؟» دلالة وطنية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة. فالمشكلة تكمن في سلطة تعجز عن تحديد مصالح لبنان المستقلة والدفاع عنها، وفي واقع تُعامل فيه بعض القوى المرتبطة بمصالح خارجية وكأنها خطوط حمراء لا يجوز المساس بها، فيما تُقدَّم مصالحها على أنها ثوابت لا تقبل النقاش، حتى عندما تتعارض مع المصلحة الوطنية. وهكذا، يصبح الحفاظ على التوازنات السياسية أهم من تطبيق القانون، وتتحول هيبة الدولة إلى ضحية التسويات التي تعمّق عجزها.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة السيادية عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي أنهكت اللبنانيين. فالدولة التي تعجز عن احتكار قرار الحرب والسلم، وتبقى مؤسساتها رهينة الانقسامات، لا تستطيع استعادة الثقة أو جذب الاستثمارات أو تأمين مستقبل مستقر لأبنائها. فالاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقرار الأمني، وكلاهما يحتاج إلى دولة تحكم بالقانون، وتحمي مواطنيها، وتضمن أن تكون قراراتها نابعة من مصالحهم، لا من حسابات المحاور الإقليمية.
إن لبنان لا يحتاج إلى أن يكون صندوق بريد لإيران، ولا ساحة لتصفية حسابات إسرائيل، بل دولة تملك قرارها وتحمي سيادتها وتضع حياة أبنائها فوق حسابات المحاور ومصالح الحروب. ومن هنا، تقع على عاتق السلطة الحالية مسؤولية ترجمة هذا المبدأ إلى خطوات عملية تبدأ ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، بدءاً من بيروت، ثم استكمال هذه المهمة في جبل لبنان والبقاع والشمال، وفق خطة واضحة تضمن تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
ولا يقتصر الهدف من هذه الخطوات على فرض هيبة الدولة في الداخل، بل يتمثل أيضاً في استعادة قدرتها على الدفاع عن حقوق لبنان والتفاوض من موقع المسؤولية والشرعية. فاستعادة الأراضي المحتلة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية يحتاجان إلى موقف وطني موحّد، ودبلوماسية فاعلة، ودولة تثبت، من خلال سيطرتها على قرارها وأراضيها، أنها صاحبة الحق الحصري في تمثيل اللبنانيين والتفاوض باسمهم.
فهل تبادر السلطة إلى استعادة قرار الدولة قبل أن يجد لبنان نفسه مجدداً أمام حرب لا يملك قرارها، أم يستمر اللبنانيون في دفع ثمن صراعات الآخرين؟ إن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين المشروع الإيراني والشروط الإسرائيلية، بل تحرير لبنان من منطق الساحات والمحاور، وبناء دولة تستحق الحياة لأنها تحمي شعبها، وتصون سيادتها، وتقرر مصيرها بنفسها.