إعادة تدوير النفايات في لبنان: جدوى اقتصادية وبيئية في مواجهة خيار الحرق

8 دقائق للقراءة

في ظل تفاقم أزمة النفايات في لبنان، يتجدّد النقاش حول الخيار الأكثر جدوى لمعالجتها: الحرق أم إعادة التدوير والتصنيع؟ وتطرح دراسة حول إدارة النفايات الصلبة مقاربة اقتصادية وبيئية تدعو إلى إعطاء الأولوية لفرز النفايات العضوية وتحويلها إلى أسمدة، وإعادة تدوير البلاستيك والورق والمعادن والزجاج، مستندةً إلى تقديرات بشأن كلفة المحارق، ومحدودية مردودها من الطاقة، والفرص الصناعية وفرص العمل التي يمكن أن يوفّرها قطاع إعادة التصنيع. وتفتح هذه المعطيات باب النقاش حول إمكانية تحويل النفايات من عبء بيئي ومالي إلى مورد اقتصادي، شرط التحقق من الأرقام والتقديرات الواردة في الدراسة.


أولاً: حقائق وأرقام أساسية

ينتج لبنان نحو ٦٠٠٠٠ طن يومياً من النفايات الصلبة البلدية . (Municipal Solid Waste - MSW)

تتراوح نسبة المواد العضوية في النفايات الصلبة البلدية في لبنان بين ٦٠ و ٦٥.

تحتوي النفايات العضوية على نحو ٨٠% من المياه من حيث الوزن، وبالتالي فهي غير قابلة للاحتراق بفعالية.

على مدى العقود الماضية، اعتمد لبنان سياسة الطمر الصحي للتعامل مع النفايات الصلبة البلدية، فكان يتم طمر حوالي 90% من النفايات في مواقع عديدة منها برج حمود الناعمة الجديدة، الكوستا برافا، طرابلس، صور الكفور - النبطية، إنه - البترون، سرار - عكار، وغيرها.

شكلت سياسة الطمر كارثة بيئية، إذ تسببت بالتلوث في مختلف أنحاء البلاد، وأدت إلى فقدان ثقة المواطنين بسياسات الحكومة في إدارة النفايات.


ثانياً: محرقة النفايات - بين المعتقدات الشائعة والحقائق

. المقولة الأولى حرق النفايات بحل الأزمة ويولد الكهرباء.

الواقع

تحتوي النفايات اللبنانية على نسبة مرتفعة جداً من المواد العضوية والرطوبة، ما يجعل عملية الحرق غير فعالة ويتطلب إدخال طاقة إضافية مكلفة لضمان الاحتراق.

إن معرفة نموذجية، في الدنمارك، بطاقة استيعابية تبلغ ۹۰۰ طن يومياً، وبنسبة مواد عضوية تبلغ ٣٣%، لا تنتج سوى ٣٦ ميغاواط من الكهرباء، وهي كفاءة منخفضة مقارنة بمحطات توليد كهرباء أقل كلفة وأكثر إنتاجية.

فإذا ما تم احراق جميع النفايات اليومية في لبنان، أي ٦۰۰۰۰ طن، وبنسبة مواد عضوية تبلغ ٦٠%، فلن يتم انتاج اكثر من ۲۰۰ ميغاواط وهي كمية ضئيلة مقارنة بحاجة لبنان، دون الأخذ بالاعتبار كمية القبول الإضافية التي ستستعمل من أجل حرق نفايات كثيرة الرطوبة.

. المقولة الثانية: حرق النفايات يقلص حجمها بنسبة 96.40

الواقع

ما لا يذكر في هذا الادعاء هو كيفية التعامل مع الرماد المتطاير السام Fly Ash) الناتج عن الانبعاثات، والذي يحتوي على مواد خطرة ومسرطنة.

يستخرج الرماد المتطاير من مداخن المحارق بواسطة أنظمة ترشيح متطورة، ويحتوي على مواد شديدة السمية منها الديوكسينات والمعادن الثقيلة.

وفي الدول الصناعية، يجري التعامل مع هذه المواد بمنتهى الحذر

في الدنمارك، ينقل الرماد المتطاير إلى خارج الباند، إلى جزيرة غير مأهولة في شمال الخروج.

في المانيا، يطمر على عمق ۸۰۰ متر تحت سطح الأرض، داخل مناجم الملح القديمة.

مع العلم أن محرقة نموذجية بطاقة ٩٠٠ طن يوميا تنتج نحو ٤٨٠ طناً شهرياً من الرماد المتطاير السام.

والسؤال الأساسي: كيف سيتعامل لبنان مع هذه الكميات من المواد السامة


الحقيقة الأولى: الحرق هو الخيار الأعلى كلفة الإدارة النقابات.

تبلغ كلفة إنشاء محرقة نموذجية بطاقة ۱۰۰۰۰ طن يومياً أكثر من مليار دولار أميركي، فيما لا تقل الكلفة التشغيلية عن ١٤٠ دولارا للطن الواحد وهي كلفة عالية سيتم استيفاؤها من البلديات ولا تستطيع أي بلدية في لبنان تحمل هذه الكلفة.

الحقيقة الثانية: ضعف مردود إنتاج الطاقة.

على الرغم من تسويق المحارق تحت شعار "تحويل النفايات إلى طاقة" (Waste-to-Energy) ، فإن الحرق بعد وسيلة غير فعالة لإنتاج الكهرباء.

كما تم ذكره أنفاً، إن محرقة نموذجية، في الدنمارك، بطاقة استيعابية تبلغ ۹۰۰ طن يومياً، وبنسبة مواد عضوية تبلغ فقط ٣٣%، لا تنتج سوى ٣٦ ميغاواط من الكهرباء، وهو مردود منخفض مقارنة بمحطات توليد كهرباء أقل كلفة وأكثر إنتاجية. فإذا ما تم احراق جميع النفايات اليومية في لبنان، أي ٦۰۰۰۰ طن، وبنسبة مواد عضوية تبلغ ٦٠%، فلن يتم انتاج أكثر من ۲۰۰ ميغاواط وهي كمية ضئيلة مقارنة بحاجة لبنان، دون الأخذ بالاعتبار كمية الفيول الإضافية التي ستستعمل من اجل حرق نفايات كثيرة الرطوبة.

فالمحارق تؤدي إلى تدمير مواد ذات قيمة اقتصادية يمكن إعادة تدويرها بلاستيك، ورق كرتون) أو تحويلها إلى سماد عضوي. ويحقق تدوير المواد وقرأ في الطاقة يفوق بكثير كمية الطاقة التي يمكن إنتاجها من حرقها.


ثالثاً: الجدوى الاقتصادية والصناعية لإعادة تصنيع النفايات اللبنانية

1- تحويل النفايات العضوية إلى أسمدة طبيعية (Composting)

تشكل النفايات الغذائية والمواد العضوية، وسطياً، نحو ٦٠% من وزن النفايات البلدية في لبنان، وهي قابلة للتحويل إلى سماد عضوي.

وفقاً للتقديرات الواردة في الدراسة:

إجمالي النفايات اليومية: ٦٠٠٠٠ طن.

نسبة المواد القابلة للتحويل إلى سماد: ٦٠.%

الكمية المقدرة: ٣،٦٠٠ طن يومياً.

مردود عملية التسميد: ٤٥%

كمية السماد النهائي: ١٦٢٠ طناً يومياً.

القيمة السوقية للسماد: ۱۲۰ دولاراً للطن.

وبالتالي:

القيمة الاقتصادية اليومية حوالي ۱۹۵۰۰۰۰ دولار.

القيمة الاقتصادية السنوية نحو ۷۰ مليون دولار

هذه القيمة الاقتصادية تضيع بالكامل في حال حرق النفايات العضوية. ومن الجدير بالذكر أن لبنان مستورد صاف للأسمدة الطبيعية.

أما من الناحية البيئية، فتشير الدراسة إلى أن عملية التسميد لا تثير مخاوف تلوث، وتعتبر الوسيلة الأكثر أماناً وإنتاجية المعالجة النفايات الغذائية.


2- إعادة تدوير البلاستيك

تحتوي النفايات الصلبة البلدية في لبنان على ثانية أنواع رئيسية من البلاستيك

PET البولي إيتيلين تبريفتالات يستخدم في عبوات المياه المعدنية والمشروبات الغازية والزيوت النباتية.

HDPE البولي ايتيلين عالي الكثافة يستخدم في عبوات المنظفات والشامبو وسوائل غسل الصحون وبعض

المواد الغذائية.

LDPE البولي إيثيلين منخفض الكثافة : يستخدم في مختلف أنواع التغليف المرن.

تشكل هذه المواد نحو 15% من وزن النفايات البلدية.

الحسابات الاقتصادية.

إجمالي النفايات: ٦٠٠٠٠ طن يومياً.

نسبة البلاستيك: ١٥%

كمية البلاستيك: ٩٠٠ طن يومياً.

القيمة السوقية التقديرية: ٢٥٠ دولارا للطن.

القيمة الاقتصادية اليومية: ٢٢٥،٠٠٠ دولار.

القيمة الاقتصادية السنوية نحو ۸۰ مليون دولار

يمتلك لبنان عدداً كبيراً من منشآت إعادة تدوير البلاستيك، ومن المتوقع أن يزداد عددها في حال اعتماد سياسات أفضل الإدارة النفايات.


3- إعادة تدوير الورق والكرتون

يضم لبنان أربعة مصانع رئيسية لمعالجة الورق، تتنافس على الحصول على مختلف أنواع الورق التي يمكن تحويلها من المطامر إلى عمليات إعادة التصنيع.

إن اعتماد سياسة تسمح بحرق هذه المواد سيشكل كارتة لهذه المصانع، إذ سيحرمها من المواد الأولية الضرورية لاستمرار نشاطها الإنتاجي.


4- الزجاج

فقد لبنان قدرته على إعادة تدوير الزجاج وتصنيعه نتيجة حدثين أساسيين:

عام ٢٠٠٦ عندما تعرض مصنع ماليبان» للقصف الإسرائيلي خلال حرب تموز

. في كانون الثاني ۲۰۱۷، عندما توقف مصنع «سوليفير» في الشويفات عن العمل بسبب الكلفة العالية للطاقة.

حالياً، تستورد جميع مصانع الصناعات الغذائية في لبنان العبوات الزجاجية الفارغة المستخدمة في تعبئة منتجاتها.

لذلك، تبرز أهمية استراتيجية قصوى لتشجيع الاستثمار في إنشاء مصنعين جديدين على الأقل لصناعة الزجاج، بهدف تلبية حاجات قطاع الصناعات الغذائية والزراعية، وخفض استيراد العبوات الزجاجية.


ه المعادن

نتيجة الارتفاع الكبير في كلفة الطاقة، فقد لبنان قدرته على إعادة تدوير المعادن محليا حيث أقفلت معظم المعامل. حالياً، يجري تصدير جميع المعادن التي يتم استخراجها وفرزها من النفايات والابنية إلى الخارج.


رابعاً: الأثر الاقتصادي والاجتماعي السياسة إعادة : تصنيع النقابات

خلق فرص العمل المباشرة وغير المباشرة

عند اعتماد سياسة إعادة تصنيع النفايات، فإن كل أربعة أطنان من النفايات الصلبة البلدية تخلق سبع فرص عمل مباشرة

في مجالات

جمع النفايات.

نقل النفايات.

التصنيع وإعادة التصنيع

وبناء على حجم النفايات الحالي البالغ ٦٠٠٠ طن يومياً، يمكن خلق نحو ۱۰۰۰۰۰ فرصة عمل مباشرة.

كما يفترض في القطاع الصناعي أن كل فرصة عمل مباشرة في التصنيع تخلق ٢.٥ فرصة عمل غير مباشرة، في قطاعات مرتبطة مثل الطاقة، والصيانة والإصلاح، وصناعة المعدات، وقطع الغيار، وغيرها.


تطوير صناعات رديفة

إن اعتماد سياسة إعادة تصنيع النفايات سيؤدي إلى انشاء صناعات رديفة مرتبطة بالمواد التي يجري فرزها وتجهيزها الإعادة التصنيع. فعلى سبيل المثال، يحتاج مصنع لمعالجة بلاستيك PET بطاقة إنتاجية تبلغ طناً واحداً في الساعة إلى سبعة عمال.

وعلى المستوى الوطني، يتوقع أن تؤدي سياسة إعادة تصنيع النفايات إلى:

فرص العمل المتوقعة أكثر من ۲۰۰۰۰۰

النشاط الاقتصادي السنوي : ٥٠٠ الى ٧٥٠ مليون دولار أميركي


خامساً: الخلاصة الاستراتيجية

من المنظورين الصناعي والبيئي، فإن اعتماد سياسة إعادة تصنيع النفايات يتمتع بمزايا واضحة مقارنة بسياسة الحرق

احتمالات نجاح أعلى.

كلفة رأسمالية أقل بكثير الإنشاء البنية التحتية.

كلفة تشغيلية أدنى بكثير.

أثر بيني أقل خطورة..

الاستفادة من المواد الأولية بدلاً من إتلافها.

تحفيز النشاط الصناعي وخلق فرص عمل جديدة.

وعليه، فإن اعتماد سياسة وطنية لإعادة تصنيع النفايات بعد خياراً أكثر جدوى من الناحيتين الصناعية والبيئية، مقارنة

بسياسة حرق النفايات.