مايز عبيد

بعد تضليل الحكومة... بلدية طرابلس تحمّل البداوي ثمن فشلها

5 دقائق للقراءة
الموقع المقترح لإقامة المطمر عليه

لم يردع رفض أهالي عكّار والمنية ودير عمار استقبال نفايات طرابلس المجلس البلدي من مواصلة "ابتكار" الحلول الكارثية للشمال. فبدلا من مراجعة الخيارات المطروحة والبحث عن خطة علمية مستدامة لمعالجة النفايات، انتقلت الأنظار هذه المرة إلى البداوي، مع طرح بلدية طرابلس إقامة مطمر جديد لنفايات المدينة هناك، وكأن المطلوب ليس حلّ الأزمة، بل نقلها من منطقة إلى أخرى، على حساب صحة الأهالي وبيئتهم ومستقبلهم.

تخيّلوا أن العقار الظاهر في الصورة المرفقة، بما يتمتع به من جمال ومقوّمات طبيعية وإمكانات اقتصادية، يُطرح ليكون مطمرًا للنفايات. خطوة تثير تساؤلات جدية حول المعايير التي تحكم اختيار المواقع، ومصير المناطق التي يُفترض أن تكون جزءًا من خطة تنموية للشمال، لا مساحات إضافية لاستيعاب أزماته المتراكمة.


تضليل الحكومة:

لكن القضية لا تتوقف عند اختيار العقارات، بل تتجاوزها إلى الطريقة التي أُدير بها الملف أمام مجلس الوزراء. فوفق المعطيات المتعلقة بالخيارات العقارية المطروحة، فإن بلدية طرابلس ضلّلت مجلس الوزراء بشأن العقارات المقترحة في البداوي، فيما يحاول بعض أعضاء المجلس البلدي اليوم التنصّل من المسؤولية، عبر الإيحاء بأن الحكومة هي التي اختارت هذه العقارات، وأنهم كانوا يفضّلون مواقع أخرى.

وهنا تكمن خطورة ما يجري: كيف يتخذ مجلس الوزراء قرارًا في ملف بهذا الحجم استنادًا إلى معطيات يُثار الجدل حول دقتها، من دون أن تُحسم حقيقة الخيارات التي عُرضت عليه، أو أن يُؤخذ رأي أهالي البداوي وفاعلياتها بالاعتبار؟ (راجع "نداء الوطن"، العدد 1999، بتاريخ 28 تشرين الأول 2026). فلا يمكن لبلدية طرابلس أن تضع الخيارات أمام الحكومة، ثم تتذرّع بقرارها للتنصّل من مسؤوليتها عنها. كما لا يجوز لأعضاء المجلس البلدي التبرّؤ من خيارات شاركوا في مناقشتها أو الموافقة عليها، عبر تحميل الحكومة وحدها تبعاتها. وإذا كان بعضهم يعترض فعلاً على العقارات المختارة، فعليه إعلان موقفه بوضوح وإبراز المستندات التي تثبت المواقع التي اقترحها والخيارات التي اعترض عليها.


البداوي: رفضٌ كامل

في البداوي، لم يبقَ الرفض كلامًا في المجالس. فقد اتّخذ المجلس البلدي في 22 تشرين الأول 2026، قرارًا برفض إقامة أي مطمر للنفايات ضمن النطاق البلدي للمنطقة بالكامل. وهو موقف رسمي واضح لا يمكن التعامل معه كأنه تفصيل عابر أو اعتراض يمكن تجاوزه بقرار إداري، ولا سيما أن القضية تتعلق بمنطقة سكنية وبمخاوف جدية على البيئة والصحة العامة.

وفي حديثٍ إلى "نداء الوطن"، لفت رئيس بلدية البداوي حسن غمراوي أن البلدية نظّمت اعتصامًا حاشدًا مع الأهالي طالبت خلاله الحكومة بالتراجع عن قرار إقامة المطمر، ووجّهت كتبًا رسمية إلى الحكومة ووزارتي البيئة والداخلية، قبل أن تتقدّم باعتراض أمام مجلس شورى الدولة.

وأعرب غمراوي عن أمله في أن تعود الحكومة عن قرارها وتتراجع عنه، محذّرًا من أنه في حال عدم الاستجابة، ستلجأ البلدية والأهالي إلى "خطوات تصعيدية كبيرة ومن دون تراجع"، بهدف إلغاء ما وصفه بـ"القرار المجحف والظالم والضار بمنطقتنا".

وشدّد غمراوي على أن الموقع المطروح يقع في منطقة سكنية بامتياز، ضمن نطاق الضمّ والفرز، ومحاط بتجمّعات سكنية، فضلا عن قربه من القلعة الأثرية ومؤسسات تعليمية رسمية. وختم موقفه بتأكيد حاسم: "هذا القرار لن يمرّ مهما كانت الظروف".

وبمعزل عن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في جلسته الخميس (أمس)، فإن أهالي البداوي، ومعهم أصوات كثيرة من طرابلس ومناطق شمالية أخرى، أعلنوا رفضهم التام لإقامة المطمر في منطقتهم. وهذا الرفض لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا محليًّا، ولا تجاوزه بقرار إداري يتجاهل مخاوف السكان وحقهم في معرفة حقيقة المشروع وتداعياته.

ويرى معنيون بالملف أن أزمة نفايات طرابلس لا تُحلّ بتصديرها إلى منطقة أخرى، بل بخطة علمية واضحة تتضمن الفرز والمعالجة والرقابة البيئية، إلى جانب الشفافية في القرارات والكلفة والجدول الزمني للتنفيذ. أما تحويل مناطق الشمال إلى محطات متعاقبة لاستقبال النفايات، فيما تتنقّل المسؤولية بين البلدية والاتحاد والحكومة، فهو وصفة لمزيد من الأزمات والمواجهات.

والأخطر أن يُطلب من الأهالي تحمّل النتائج، فيما تبقى حقيقة ما عُرض على مجلس الوزراء وكيفية اتخاذ القرار موضع تساؤل. فبدلا من تحمّل مسؤولية التعثّر في معالجة أزمة النفايات، تبدو بلدية طرابلس وكأنها تحاول نقل عبء فشلها إلى البداوي، مستندةً إلى قرار حكومي يُفترض أن تكون المعطيات التي بُني عليها واضحة ودقيقة، وأن تكون تداعياته على السكان والبيئة موضع تقييم جدي.

الأهالي هنا يقولون: البداوي ليست مكبًّا بديلا، وأهلها ليسوا مسؤولين عن فشل بلدية طرابلس في إيجاد حلّ لأزمة نفاياتها، بينما يقع عليهم تحمّل التبعات الصحية والاجتماعية. (راجع "نداء الوطن"، عدد 26 تشرين الأول 2010). ومن اقترح العقارات، ومن قدّم المعطيات للحكومة، ومن اتخذ قرار اعتمادها، عليه أن يتحمّل مسؤوليته أمام الرأي العام، بدلا من محاولة تحميل أهالي البداوي ثمن أزمة لم يتسبّبوا بها.


قرار بلدية البداوي الرافض لإقامة المطمر