بطرس الخوري

إسرائيل تنتخب… وسلطاتنا تختبئ خلف الحرب

3 دقائق للقراءة

في 27 تشرين الأول، أجرت إسرائيل انتخاباتها التشريعية في خضم حربها على ثلاث جبهات غزة ولبنان وإيران. تنافست الأحزاب، واقترع المواطنون، وعادت موازين السلطة إلى اختبار الصناديق. وفي لبنان، مدّد البرلمان لنفسه وأُرجئت الانتخابات إلى عام 2028. واقعتان تختصران فجوة نفضّل تغطيتها بالشعارات بدل مواجهتها.

بغضّ النظر عمّن يفوز في إسرائيل، فإن إجراء الانتخابات يحمل معنى واضحًا: الحرب لا تمنح الحاكم ملكية الدولة، والخطر الخارجي لا يلغي حق المواطن في محاسبته. قد تتعثر مفاوضات الحكومة، وقد يستمر الانقسام، لكن الناخب يبقى طرفًا في تحديد السلطة.

أما عندنا، فالمواطن مطلوب للتضحية، ومؤجّل عند المحاسبة. عليه أن يتحمّل الدمار والنزوح والانهيار، ثم ينتظر حتى تقرّر السلطة أن الظروف أصبحت مناسبة ليسألها عمّا فعلته به.

وفي كل مرة، توجد حجة جاهزة: الأمن، الحرب، الاستقرار، التوافق. وحده حق الناس يمكن تأجيله، فيما مقاعد المسؤولين تبقى محصّنة.

صحيح أن الحرب والنزوح يفرضان صعوبات فعلية على تنظيم الاقتراع. لكن الصعوبة تفرض البحث عن حلول، وتحديد أقصر مهلة ممكنة، والعمل على استعادة الاستحقاق، ولا تمنح النواب حق التعامل مع وكالتهم الشعبية كأنها ملكية خاصة. حين يحدّد الوكيل بنفسه موعد انتهاء وكالته، تصبح الديمقراطية رهينة المستفيدين من تعطيلها.

فلسطينيًا، تبدو الصورة أشد قسوة. آخر انتخابات رئاسية جرت عام 2005، وآخر انتخابات تشريعية عام 2006، ثم أُرجئت انتخابات 2021 بذريعة عدم ضمان إجرائها في القدس. الاحتلال عائق حقيقي، لكنه لا يعفي القيادات الفلسطينية من مسؤوليتها عن الانقسام والجمود وحرمان شعبها من تجديد شرعيته السياسية.

وفي عدد من الدول العربية، تُفتح الصناديق وتُغلق من دون أن تقترب من مركز القرار. تتبدّل أسماء النواب، وتبقى السلطة فوق الاختبار. انتخابات تسمح بتعداد الأصوات، ولا تسمح بتداول الحكم.

هنا يظهر جانب من التفوّق الإسرائيلي الذي يزعجنا الاعتراف به. القوة العسكرية تستند إلى اقتصاد ومعرفة وتنظيم وتحالفات، وإلى مجتمع يملك أدوات للاعتراض والمنافسة والتأثير. الانقسام لا يختفي، لكنه يدخل المؤسسات بدل أن يصبح سببًا دائمًا لتعطيلها.

أما نحن، فبعض سلطاتنا يريد مجتمعًا مصفّقًا، ومعارضة مدجّنة، ومواطنًا يموّل الفشل ويتحمّل كلفته ويشكر المسؤولين على بقائهم.

الأكثر فجاجة أن قوى ترفع شعار مواجهة إسرائيل تخشى مساءلة جمهورها. تطالبه بالثقة المطلقة، وتسمّي الاعتراض خيانة، وتتعامل مع مراجعة قراراتها كأنها خدمة للعدو. تريد تفويضًا مفتوحًا للحرب، وحصانة مفتوحة من نتائجها.

لكن من يدفع الثمن يملك حق السؤال. ومن يُطلب منه أن يرسل أبناءه إلى الموت، أو يغادر بيته، أو يخسر رزقه، يملك حق تغيير من اتخذ القرار باسمه.

المقارنة موجعة لأن نتائجها ملموسة: هناك دولة تحشد مواردها وتحافظ على آلية انتخاب سلطتها، وهنا سلطات تستنزف مجتمعاتها وتفاوضها على أبسط حقوقها.

لن نواجه التفوّق الإسرائيلي بتمديد ولاية الفاشلين، ولا بإسكات المعترضين، ولا بتحويل الهزائم إلى خطب انتصار.

من يخشى صندوق الاقتراع لا يحق له أن يطلب من شعبه تفويضًا مفتوحًا للقتال.