يخطئ من يعتقد أنّ نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستؤدّي إلى تغيير جوهري في الخيارات الإسرائيلية تجاه لبنان. فالقيادات السياسية تتغيّر، وقد تتبدّل معها الأولويات الوطنية والتحالفات وأهداف الحروب وتوقيتها، لكنّ الاستراتيجيات العسكرية والعقائد القتالية لا تتغيّر تلقائيًا بتغيّر الحكومات. فهي نتاج تجارب عملياتية، وتقييم مستمرّ للتهديدات، واستخلاص للدروس، وتطوير للقدرات.
وما دفعني إلى تسليط الضوء على هذا الموضوع هو أنّ الإسرائيليين باتوا واضحين في تحديد خياراتهم في مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول 2023، ولا يخفون استعدادهم لاستخدام القوة لتحقيق أهدافهم. وقد جاءت وثيقة الأمن العسكري التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 تشرين الأول 2026 لتعكس حجم التحوّلات التي طرأت على التفكير الأمني والعسكري الإسرائيلي.
وفي المقابل، لا يزال لبنان يسير على طريق التدمير الذاتي، بفعل ثلاثة عوامل متداخلة: محور إيران-حزب الله-حركة أمل، الذي يتحمّل مسؤولية جرّ البلاد إلى مواجهات عسكرية خارج قرار الدولة؛ وحكومة ضعيفة ومتردّدة، ينخرها الفساد وتعجز عن ترجمة قراراتها السيادية إلى إجراءات تنفيذية؛ وشريحة واسعة من اللبنانيين تستسلم للتضليل والتلاعب السياسي، فيما تلتزم الأكثرية الصامتة الصمت، رغم إدراكها حجم الأخطار التي تهدّد أمن البلاد وسيادتها ومستقبلها.
ولفهم خطورة هذه المعادلة وانعكاساتها على لبنان، لا بدّ أولًا من التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة. فالاستراتيجية الوطنية تحدّد المصالح والأهداف العليا للدولة وكيفية توظيف وسائل قوّتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيقها. أمّا الاستراتيجية العسكرية، فتحدّد كيفية استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف الوطنية، فيما تشكّل العقيدة القتالية مجموعة المبادئ التي تحكم استخدام القوات في العمليات.
وفي هذا الإطار، شكّلت حرب تموز 2006 محطة أساسية في مراجعة العقيدة القتالية الإسرائيلية، وكان من أبرز نتائجها ظهور ما عُرف بـ"عقيدة الضاحية". واليوم، يرى اللبنانيون بأمّ العين المفاعيل المدمّرة لهذه العقيدة، من خلال الردود العسكرية الإسرائيلية على العمليات التي شنّها المحور ضدّ إسرائيل، خارج سلطة الدولة اللبنانية وقرارها.
ثم جاء الهجوم الإرهابي في 7 تشرين الأول 2023 ليكشف حدود الاعتماد على الركائز التقليدية الثلاث للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، ويدفع نحو إعادة النظر في كيفية مواجهة التهديدات قبل تحوّلها إلى أخطار مباشرة.
وفي هذا السياق، عرض نتنياهو، في 18 تشرين الأول 2026، وثيقته المحدّثة للاستراتيجية العسكرية، التي تضمّنت مجموعة من المبادئ الأساسية الهادفة إلى ضمان التفوّق العسكري الإسرائيلي، أبرزها منع التهديد النووي، واعتماد العمليات الهجومية الوقائية والاستباقية، وتعزيز الأحزمة الأمنية، والتفوّق التكنولوجي، وخوض المعركة الإعلامية، وتعزيز التماسك الوطني.
وهنا لا بدّ من التمييز بين الردع، الذي يهدف إلى ثني الخصم عن استخدام قدراته العسكرية؛ والعمل الاستباقي، الذي يستهدف إحباط هجوم وشيك؛ والعمل الوقائي، الذي يسعى إلى منع نشوء تهديد مستقبلي أو تطوّره، وإضعاف قدرات الخصم وإرادته على إعادة بناء قوّته العسكرية وتشكيل تهديد جديد.
كما عكست الوثيقة تشكيكًا بجدوى مسارات السلام مع بعض الدول العربية، واستعداد إسرائيل لخوض حروب طويلة الأمد، خلافًا للمقاربة التقليدية التي أعطت الأولوية للحروب القصيرة والحسم العسكري السريع.
ومن هنا، فإنّ أخطر ما يمكن أن يرتكبه اللبنانيون هو الاستمرار في قراءة المواجهة مع إسرائيل وفق المعادلات التي سبقت 7 تشرين الأول 2023، أو الاعتقاد أنّ تغيير الحكومة الإسرائيلية سيعيد تلقائيًا قواعد الاشتباك السابقة.
فإذا كانت إسرائيل تعلن أنّها ستعمل على منع إعادة بناء القدرات العسكرية التي تعتبرها تهديدًا لأمنها، فإنّ استمرار المحور في التمسّك بسلاحه وقراره العسكري المستقلّ عن الدولة يضع لبنان أمام خطر تجدد المواجهات، وما قد يرافقها من خسائر بشرية ومادية وأضرار تطال أمن البلاد واستقرارها.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة اللبنانية، التي لا يكفي أن تعلن حصرية السلاح بيد الدولة، بل عليها أن تترجم قراراتها إلى إجراءات تنفيذية واضحة. وإذا كان الإسرائيليون يعيدون تقييم استراتيجيتهم العسكرية، فإنّ على اللبنانيين أن يقرأوا هذه التحوّلات، وأن يستخلصوا دروس تجاربهم، وأن يدركوا كلفة استمرار الوضع القائم.
فأخطر ما قد يواجهه لبنان ليس فقط ما تخطّط له إسرائيل، بل أن تكون هذه الخطط معلنة، وأن نبقى عاجزين عن قراءتها وفهمها واتخاذ القرارات اللازمة لحماية أنفسنا.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ