هشام بو ناصيف

أبعد من جريمة الكرك

4 دقائق للقراءة

بعد أيّام قليلة فقط على قتل مسيحيّين داخل كنيسة في الكرك، جاء قتل عشرات المسيحيّين الإثيوبيّين في منطقة أوروميا ذات الغالبيّة المسلمة ليعيد إلى الواجهة مشهدًا بات مألوفًا من مشاهد العنف الديني في العالم الإسلامي. هل صحيح أنّ العامل السوري الذي قتل الأب سمير ضوّ في جبيل كان مدفوعًا بنزعة جهاديّة، إلى جانب رغبته في السرقة؟ لا أعلم. لكنّ ما لا يمكن إنكاره، في المقابل، هو أنّ مسلسل العنف الديني الذي يستهدف الأقليّات المسيحيّة في المنطقة مسلسل متواصل، لا تخطئه عين: من تفجير كنيسة مار الياس في سوريا عام 2025، إلى الهجوم على كنيسة القدّيسة مريم في تركيا عام 2024، مرورًا بمجازر البنجاب في باكستان صيف عام 2023، حين أُحرقت عشرات الكنائس إثر اتّهام شخصين بإهانة القرآن، وصولا، بالطبع، إلى الأخبار المتكرّرة من نيجيريا عن إحراق الكنائس، وقتل الكهنة والمصلّين. هذه مجرّد أمثلة من السنوات الأخيرة، أمّا سجلّ الاعتداءات فطويل جدًّا.

الفصل بين التمييز الديني "العادي"، أي اليومي والممنهج، ضدّ الأقليّات الدينيّة في العالم الإسلامي، وبين العنف الجهادي الذي يستهدف هذه الأقليّات، نفاق. عندما تكرّس المجتمعات الإسلاميّة دينها دينًا لدولة يعيش فيها مسيحيّون، وتجعل من الشريعة مصدرًا للتشريع، وتقبل زواج المسلم من "نصرانيّة" ولا تقبل العكس، وتفرض على المسيحيّين تسمية "نصارى"، خلافًا لما يسمّون به أنفسهم، فهي تعبّد الطريق أمام العنف الذي ينتهي بتفجير الكنائس وقتل الأبرياء. ما يبدأ بالتمييز الديني ينتهي، عاجلا أم آجلا، بالعنف الجهادي. استطرادًا، ردّة الفعل المحافظة التي ترفض إعادة النظر في الأسس الشرعيّة التي يقوم عليها التمييز الديني هي موضوعيًّا شريكة في البيئة الفكريّة التي تتيح للإسلاميّين تبرير جرائمهم.

كان أوّل تعليق لرئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، بعد جريمة الكرك، أن سارع إلى التصريح بأنّ "الإرهاب لا دين له". يحتاج هذا النوع من ردّ الفعل لإعادة نظر كي لا يصبح عقبة تحول من دون أن يفكّر المسلمون في الآيات والأحاديث والتراث الديني والسياسي الذي قد يشكّل الخلفيّة العقائديّة للعنف الجهادي. ليس صحيًّا بعد كلّ مرّة يقتل فيها مسلمون جهاديّون باسم الدين أن يسارع مسلمون غير جهاديّين إلى وأد أيّ محاولة لإعادة تفسير الدين على نحو ينزع من أيدي الجهاديّين الذرائع التي يستندون إليها. نظريًّا، ينبغي للعلاقة بين المسلمين الجهاديّين والمسلمين غير الجهاديّين أن تكون صراعيّة؛ فعليًّا، يبدو ما يحصل بين الجهاديّين وجماعة "الإرهاب لا دين له" كأنّه توزيع أدوار. 

الدين، أيّ دين، هو تفسيره. فإذا قرأ مسلم الآية ٢٩ من سورة التوبة: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، وقرّر أن يأخذ الأمر بالقتال على محمل الجدّ، فلن يكون الردّ عليه بالقول إنّ "الإرهاب لا دين له" مجديًا. وإذا كان الإرهابيّون يستلهمون آيات من قبيل: "إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم خالدين فيها أولئك هم شرّ البريّة" (سورة البيّنة، الآية ٦)، أو أحاديث من قبيل: "لا تقوم الساعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتّى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلّا الغرقد، فإنّه من شجر اليهود" (صحيح مسلم، رقم ٢٩٢٢)، فإنّ معالجة هذه المسألة تتطلّب ما هو أبعد بكثير من ترديد عبارة "الإرهاب لا دين له".

ليس كلّ المسلمين متطرّفين، صحيح. لكنّ الصحيح أيضًا أنّ أبرز التنظيمات الإرهابيّة في العالم تتبنّى أيديولوجيّات إسلاميّة متطرّفة: "حزب الله" و"داعش" و"القاعدة" و"حماس" وسواها. الجزء الأوّل من المعادلة لا خلاف عليه؛ أمّا الجزء الثاني، فلا يمكن التعامل معه بكليشيهات مكرّرة وكسل فكري لا يفيد أحد.