بعد تكريمه في «موسيقيّات بعبدات»… هُتاف خوري يلتقي جمهوره مجدّدًا على مسرح الصفدي في طرابلس

3 دقائق للقراءة
البيانيست إياد صغيّر إلى جانب المؤلف الدكتور هتاف مارون خوري في طرابلس

لم يكن حضور المؤلّف الموسيقي والأكاديمي اللبناني الدكتور هُتاف خوري في الأمسية الموسيقية التي احتضنها مركز الصفدي الثقافي في طرابلس مجرّد مشاركة فنية عابرة، بل شكّل امتدادًا لحضور الموسيقى الكلاسيكية اللبنانية في المشهد الثقافي، من خلال تجربة تجمع بين أصالة الهوية المحلية والانفتاح على المدارس الموسيقية العالمية.

فبعد يومين على تكريمه في مهرجان «موسيقيّات بعبدات»، في أمسية خُصّصت للاحتفاء بروّاد «السوناتات اللبنانية» وبالذاكرة الكلاسيكية الحيّة في لبنان، حضرت موسيقى خوري مجدّدًا في لقاء فني جمع بين التأليف والعزف، مؤكدةً قدرة الموسيقى على عبور الحدود الثقافية والجغرافية.

وكان مهرجان «موسيقيّات بعبدات» قد كرّم خوري ضمن أمسيته الموسيقية الثالثة لهذا الموسم، التي أُقيمت في «قاعة المخلّص – الكنيسة الجديدة» في بعبدات، بمشاركة عازف الكمان ماريو الراعي وعازف البيانو جورج دكاش. واستعاد الحفل أعمالًا لعدد من الأسماء التي أسهمت في بناء الذاكرة الموسيقية الكلاسيكية اللبنانية، من بينها بوغوص جلاليان وجورج باز، إلى جانب مؤلّفين معاصرين يمثّلون استمرارية هذا الإرث، وفي مقدّمهم سيفاك ديرغوغسيان وهُتاف خوري.

وفي تحيّة موسيقية لأعمال خوري، قدّم دكاش والراعي مؤلّفًا له مستوحًى من الزجل اللبناني، في صياغة معاصرة جمعت بين الحنين إلى الجذور ودقّة البناء الموسيقي الحديث. وبرز في العمل حرص المؤلّف على صون الهوية اللبنانية، مع تقديم الموروث الشعبي بروح جديدة قادرة على مخاطبة الأجيال الشابة، بعيدًا من الاكتفاء باستعادة الماضي.


من بعبدات إلى طرابلس… الموسيقى جسر بين الشرق والغرب

وفي طرابلس، استضاف مركز الصفدي الثقافي أمسية «من أوروبا إلى الشرق… رحلة عبر الموسيقى»، التي أحياها عازف البيانو العالمي إياد صغيّر، بدعوة من نادي روتاري طرابلس كوزموبوليس، وبالتعاون مع مهرجان «موسيقيّات بعبدات»، وبدعم من المجلس الثقافي البريطاني، وسط حضور لافت من الفعاليات الرسمية والأكاديمية والثقافية في المدينة.

وتولّى تقديم الأمسية الدكتور هُتاف خوري، ابن طرابلس، حيث أضاء على الخلفيات الفنية والتاريخية للأعمال المدرجة في البرنامج، الذي تنقّل بين عوالم موسيقية متنوّعة، من موزارت وليست إلى سيبليوس وخاتشاتوريان، مقدّمًا للجمهور رحلة بين المدارس الكلاسيكية الأوروبية والتأثيرات الشرقية.

وكانت إحدى أبرز محطات الأمسية أداء إياد صغيّر مقطوعة «Prelude» من تأليف خوري، في لقاء جمع المؤلّف بعازف البيانو، وأتاح للجمهور التعرّف إلى جانب من تجربة موسيقية معاصرة تسعى إلى إقامة حوار بين الشرق والغرب، من خلال لغة موسيقية تتجاوز الاختلافات الثقافية.

ولم تقتصر الأمسية على بعدها الفني، بل حملت بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا، إذ خُصّصت كامل عائداتها لجمع التبرعات دعمًا لفوج إطفاء طرابلس، في مبادرة تؤكّد دور الثقافة في خدمة المجتمع المحلي وتعزيز روح التضامن مع المؤسسات التي تؤدي دورًا أساسيًا في حماية المدينة وسكّانها.

وهكذا، تلاقت محطّتان موسيقيّتان، من بعبدات إلى طرابلس، حول فكرة واحدة: أن الموسيقى الكلاسيكية اللبنانية ليست مجرّد ذاكرة تستحق التكريم، بل إرث حيّ يتجدّد عبر المؤلّفين والعازفين والجمهور، ويستمدّ قوّته من جذوره المحلية وانفتاحه على العالم. وبين تكريم هُتاف خوري والاحتفاء بأعماله، بدت الموسيقى مساحةً جامعةً تعيد وصل الماضي بالحاضر، وتمنح الثقافة دورًا فاعلًا في بناء الجسور بين الناس والحضارات.