أخطر ما يواجه السلطة اللبنانية ليس غياب القوانين، بل غياب وحدة المعايير في تطبيقها. فالدولة التي يفترض أن تكون سلطتها واحدة على جميع أراضيها ومواطنيها، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تتعامل مع اللبنانيين وفق ميزانين: ميزان صارم حين يكون المواطن أعزل ولا يملك سوى الخضوع، وميزان متردد حين تصطدم مؤسساتها بقوى الأمر الواقع والنفوذ السياسي والأمني.
وتكشف المقارنة بين رميش في الجنوب ولاسا في جبل لبنان، عن إشكالية عميقة تتجاوز حادثة استدعاء أو خلافًا قضائيًا، لتلامس جوهر مفهوم الدولة وهيبتها.
في رميش، البلدة الجنوبية التي يعيش أهلها ظروفاً أمنية استثنائية في ظل الوجود العسكري الإسرائيلي والقيود المفروضة على التنقل، يُستدعى كاهن الرعية الأب نجيب العميل إلى التحقيق في صيدا، بعدما اعترض على إجراءات قضائية بحق أحد البلدة، موضحًا استحالة وصوله إلى صيدا في الظروف الراهنة، واستحالة تعريض الأهالي لمخاطر إضافية. وطلب تأجيل الإجراءات إلى حين توافر طريق آمنة، وأبدى استعداده للمثول أمام القضاء عندما تسمح الظروف بذلك. فهل المطلوب من المواطن أن يغامر بحياته كي تثبت الدولة أنها قادرة على تطبيق القانون؟ وهل أصبح احترام القضاء مرادفاً لتجاهل الواقع الأمني الذي يعيشه الناس؟
في المقابل، تستحضر لاسا، في قضاء جبيل، نموذجًا آخر من الاختبار الصعب لهيبة الدولة. فمنذ سنوات، تشهد البلدة تعديات عقارية وعرقلة لإجراءات قضائية ورفض تنفيذ قرارات قضائية وقطع طرق، في ظل واقع وجود نفوذ لقوى الأمر الواقع التي هي "حزب الله". لهذا السبب، بقيت هذه الملفات عالقة، وكأن سلطة القانون تصطدم هناك بسقف لا تستطيع تجاوزه.
هنا تكمن المفارقة التي تستحق مساءلة السلطة اللبنانية: لماذا تبدو الإجراءات القضائية ممكنة وسريعة عندما يتعلق الأمر باستدعاء رجل دين من بلدة محاصرة، فيما تتعثر قدرة السلطة على فرض قراراتها في مناطق أخرى حين تواجه نفوذًا مسلحًا؟ القانون يجب أن يُطبّق على الجميع، بلا استثناءات طائفية أو سياسية. لكن العدالة ليست مجرد استدعاءات ومذكرات جلب؛ إنها أيضًا قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتأمين وصولهم إلى القضاء، وتنفيذ أحكامها على الأقوياء والضعفاء بالتساوي.
إن السلطة التي تطالب المواطن الضعيف بالامتثال، ثم تعجز عن مواجهة أصحاب النفوذ، لا تستطيع أن تقنع اللبنانيين بأنها دولة مؤسسات. إنها تضع هيبتها في المكان الخطأ، وتعرّض ثقة الناس بالقضاء ومفهوم المواطنة لمزيد من التآكل.
لبنان لا يحتاج إلى سلطة تتذكر القانون عندما يكون تطبيقه سهلا، وتنساه عندما يصبح مكلفًا سياسيًا وأمنيًا، سلطة لا تسأل المواطن عن طائفته أو موقعه أو حجم القوة التي تحميه، بل تسأله إن كان قد خالف القانون، وتطبق القانون.