يحتاج لبنان إلى استعادة موقعه على خريطة الاستثمار العربية والدولية. فالبلد الذي يبحث عن فرص للنهوض لا يستطيع أن يكتفي بإدارة أزماته داخل حدوده، أو أن ينتظر عودة الثقة من تلقاء نفسها. لذلك، تكتسب اللقاءات الاقتصادية الخارجية أهميتها بوصفها محاولة لإعادة وصل ما انقطع، وتقديم لبنان مجددًا كشريك يمكن العمل معه والاستثمار فيه.
في هذا السياق، جاءت مشاركة وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط في منتدى الاستثمار العالمي في الدوحة، وما رافقها من لقاءات تناولت استعادة ثقة المستثمرين، وتعزيز التعاون مع قطر، وتوسيع الروابط التجارية مع سوريا والعراق والأردن ودول الخليج، وفق بيان الوزارة المنشور في الثامن والعشرين من تشرين الأول. وهي عناوين تفتح نقاشًا ضروريًا حول قدرة لبنان على تحويل الاهتمام الخارجي إلى نشاط اقتصادي في الداخل.
تبدأ المسألة الفعلية بعد انتهاء اللقاءات. حين يعود المسؤول من زيارته، ويقرر المستثمر الانتقال من الاستماع إلى الاستكشاف، يصبح الخطاب أمام امتحان التفاصيل. يبحث صاحب المشروع عن جهة تجيب عن أسئلته، ومسار واضح للحصول على التراخيص، ومهل يمكن الوثوق بها، وقواعد يعرف بموجبها حقوقه والتزاماته. هنا يتحدد ما إذا كانت الفرصة ستتحول إلى مشروع، أو ستبقى بندًا في بيان.
المستثمر يستطيع أن يحتسب كلفة الأرض والطاقة واليد العاملة والضرائب. ويمكنه أن يقبل كلفة مرتفعة إذا كانت السوق تبررها والعائد المتوقع يسمح بها. أما ما يصعب إدخاله في دراسة الجدوى فهو الغموض. كم يستغرق الترخيص، وأي جهة تملك القرار النهائي، وما الذي يحدث عند اختلاف الإدارات، وكيف يُحسم النزاع إذا وقع؟ حين تتوقف الإجابات على الاجتهاد أو العلاقات الشخصية، تصبح المخاطرة متصلة بطريقة عمل الدولة نفسها.
لهذا، فإن استعادة الثقة تحتاج إلى تجربة قابلة للاختبار. يبدأ بناؤها من معاملة تُنجز ضمن مهلة معلنة، وقرار يمكن فهم أسبابه والاعتراض عليه، وعقد يعرف طرفاه كيف تُحمى حقوقهما. تتراكم هذه التفاصيل لتنتج سمعة البلد الاستثمارية، وتمنح الترويج الخارجي مضمونًا يستطيع المستثمر التحقق منه بنفسه.
وفي لبنان، يستحق المستثمر المحلي أن يكون نقطة البداية في هذا الاختبار. صاحب المؤسسة الذي يريد توسيع أعماله، أو الصناعي الذي يفكر في إضافة خط إنتاج، أو رائد الأعمال الذي يحاول تأسيس شركة، يواجهون البيئة نفسها التي سيواجهها القادم من الخارج. وتجربتهم اليومية أصدق من أي عرض ترويجي في قياس قابلية البلد للاستثمار.
من الصعب إقناع مستثمر جديد بفرصة لا يستطيع صاحب العمل القائم أن يشرح كيف يمكن الاستفادة منها. لذلك، فإن تحسين شروط عمل المؤسسات الموجودة يشكل بحد ذاته سياسة لجذب الاستثمار. المؤسسة التي تتوسع وتوظف وتصدر تقدم دليلًا عمليًا، وتستطيع أن تصبح شريكًا للمستثمر الخارجي بدل أن يبقى البحث محصورًا في مشاريع تبدأ من الصفر.
أما العلاقات العربية، فتوفر للبنان مجالًا مهمًا لاستعادة الحركة الاقتصادية. لكن ترجمة هذه العلاقات تتطلب الانتقال من العناوين العامة إلى فرص محددة. الحديث عن الانفتاح على الأسواق ينبغي أن يتبعه تحديد للمنتجات والخدمات القابلة للمنافسة، وكلفة وصولها، والعوائق التي تواجهها، والشراكات التي تحتاج إليها. لكل سوق شروطها، ولكل قطاع متطلباته، ولا تكفي الدعوة إلى التعاون لتكوين مشروع صالح للتمويل.
وهنا تظهر أهمية إعداد ملفات استثمارية مكتملة. مشروع واضح الملكية والوضع القانوني، معروف الاحتياجات والبنية التحتية، ومحدد المسار الإداري، يسمح بنقاش جدي حول الكلفة والعائد. أما عرض الفرص قبل معالجة تعقيداتها، فينقل مهمة تفكيكها إلى المستثمر، ويضعف جاذبيتها مهما بدت واعدة على الورق.
كذلك، يحتاج لبنان إلى تحديد ما يريده من الاستثمار. فحجم الأموال المعلنة لا يكفي للحكم على القيمة الاقتصادية لأي مشروع. الأهم هو أثره في فرص العمل والإنتاج والتصدير ونقل المعرفة، وقدرته على بناء علاقات مستمرة مع المؤسسات المحلية. ومن حق الدولة أن ترتب أولوياتها على هذا الأساس، وأن تجعل أي تسهيلات تقدمها مرتبطة بمنافع واضحة وقابلة للقياس.
ولكي تصبح دبلوماسية الاستثمار قابلة للمحاسبة، ينبغي أن تترك وراءها مسار متابعة معلنًا. ما الفرص التي نوقشت، وأي منها انتقل إلى دراسة فعلية، وما العقبات التي ظهرت، وأي جهة تتولى معالجتها؟ نشر هذه المعلومات، مع احترام السرية التجارية، يمنح الرأي العام وسيلة لتقييم النتائج، ويساعد الإدارة على تصحيح عملها.
لبنان يحتاج إلى المسؤول الذي يفتح له الأبواب في الخارج، وإلى المؤسسة التي تستقبل الفرصة في الداخل وتتابعها حتى التنفيذ. وتكامل الدورين هو ما يمنح الزيارات والمنتديات قيمتها الاقتصادية.
حين يجد المستثمر طريقًا واضحًا من الفكرة إلى المشروع، يصبح الحديث عن عودة لبنان أكثر إقناعًا. وعندها يمكن قياس النجاح بمؤسسة فتحت أبوابها، ووظائف استحدثت، ومنتج وصل إلى سوق جديدة. هناك، في تلك النتائج، تتحول الثقة من وعد دبلوماسي إلى واقع اقتصادي