اتّسم النصف الأوّل من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب بسياسات أحدثت تحوّلات جذرية في الأوضاع القائمة على المستويين الداخلي والخارجي. وسيحدّد الأميركيون غدًا موقفهم من تلك التحوّلات من خلال مشاركتهم في الانتخابات النصفية التي ستنحت نتائجها شكل العامَيْن المتبقيين من عهد الرئيس الجمهوري. صحيح أن الأخير وفى بعدد من العهود الرئيسية التي قطعها خلال حملته الانتخابية عام 2024، غير أن معظم استطلاعات الرأي تشي بأن غالبية الأميركيين يرون أنه أخفق في عهده في تحسين الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي قد يطغى في ذهن معظم الناخبين الأميركيين على الوعود التي أوفاها.
تُظهر استطلاعات الرأي نسبة تأييد متدنية لترامب، كما تبيّن أن غالبية الأميركيين يضعون المسألتين الاقتصادية والمعيشية على رأس لائحة أولوياتهم. ويبدي الناخبون الديموقراطيون والناخبون المستقلّون المائلون إلى الحزب الديموقراطي الحماسة الأكبر للمشاركة في الانتخابات، وقد شهد التصويت المبكر، الذي عادةً ما يشارك فيه الديموقراطيون بنسبة أعلى من نسبة مشاركة الجمهوريين، إقبالًا متزايدًا، إذ أدلى أكثر من 52 مليون أميركي بأصواتهم حتى الأمس.
انطلاقًا من ذلك، تتوقّع الاستطلاعات أن يحرز الديموقراطيون السيطرة على مجلس النواب، فيما تبقى المعركة على مجلس الشيوخ محتدمة. وفي هذا الإطار، أحدثت النائبة الديموقراطية عن ولاية ميشيغان هايلي ستيفينز زلزالًا سياسيًّا أمس من خلال إعلان تأييدها النائب الجمهوري مايك رودجرز في السباق على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ، وهو مقعد يشغله حاليًا الحزب الديموقراطي. وجاء إعلان ستيفينز بعدما كانت قد قالت في البداية إنها ستدعم مرشّح الديموقراطيين عبد الرحمن السيّد، منافسها السابق في الانتخابات التمهيدية. لكن ستيفينز، المنتمية إلى الجناح المعتدل في الحزب الديموقراطي والمؤيّدة لإسرائيل، غيّرت رأيها إثر رفض السيّد إشراكها في حملته الانتخابية. وفي حال أدّى هذا الانقسام في الحزب الديموقراطي إلى فوز رودجرز بالمقعد، فستصبح مهمّة الديموقراطيين في السيطرة على مجلس الشيوخ أصعب بكثير.
لم يتمكّن ترامب من صرف أنظار الناخبين عن الملفين الاقتصادي والمعيشي، رغم محاولاته الحثيثة لاستعراض إنجازاته المتمثّلة بشكل رئيسي في وقف الهجرة غير الشرعية وضبط الحدود وجذب الاستثمارات الأجنبية والعملية العسكرية الناجحة في فنزويلا والاتفاق مع الدنمارك حول غرينلاند. بالتوازي، تخلق محاولات ترامب للتخفيف من وطأة معدّل التضخّم المرتفع ردّ فعل عكسيًّا لدى الناخبين، الذين سبق أن عاقبوا الرئيس السابق جو بايدن عندما اتّبع أيضًا نهج إنكار شعورهم حيال الاقتصاد.
يربط الكثير من الأميركيين تقييمهم السلبي للأوضاع الاقتصادية بالحرب ضدّ النظام الإيراني التي رفعت أسعار الطاقة، وبالرسوم الجمركية التي أجّجت التضخّم في أسعار السلع الاستهلاكية. لذلك، يحمّل هؤلاء ترامب والحزب الجمهوري مسؤولية كلّ دولار إضافي يدفعونه عند تزوّدهم بالوقود أو عند شرائهم حاجاتهم المنزلية. وعمل الديموقراطيون على استغلال الغضب المعيشي من خلال التركيز على المسألة الاقتصادية على حساب المسائل الثقافية الخلافية. كما جعلوا الفساد محورًا رئيسيًّا لهجماتهم السياسية، إذ يتّهمون ترامب وأفراد عائلته وأعضاء إدارته وعددًا من المشرّعين الجمهوريين الحاليين الذين يسعون إلى الاحتفاظ بمقاعدهم في الكونغرس بأنهم يثرون أنفسهم فيما يكافح الأميركيون العاديون لتأمين نفقات معيشتهم.
ويبدو أن ترامب استعدّ لاحتمال خسارة الجمهوريين السيطرة على أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما، إذ كشفت وكالة "رويترز" أن مساعدي الرئيس أمضوا شهورًا في وضع خطط لمواصلة تنفيذ أجزاء رئيسية من أجندة ترامب من خلال السلطة التنفيذية، بحيث حدّدوا الإجراءات التنفيذية المتعلّقة بالهجرة والرسوم الجمركية وتكاليف الإسكان والإنفاق الفدرالي التي قد يتّخذها ترامب من دون موافقة الكونغرس. كما أنهم يستكشفون ما يمكن لترامب فعله قانونيًّا بمفرده، وأين تكمن أقصى حدود سلطته، وكيف يمكن الدفاع عن تلك القرارات في المحاكم. لكن يوجد تحدٍّ واحد لا يمكن تجاوزه من خلال الإجراءات التنفيذية، ألا وهو تحقيقات الكونغرس. لذلك، يقدّم محامون في البيت الأبيض نصائح للمسؤولين السياسيين المعيّنين ورؤساء الوكالات حول كيفية التعامل مع استفسارات الكونغرس، وطلبات تقديم الوثائق، وأوامر الاستدعاء. كما نصحوا المسؤولين بتوخّي الحذر في ما يدوّنونه في الوثائق المكتوبة.
إذا صحّت توقّعات استطلاعات الرأي وأحرز الديموقراطيون السيطرة على مجلس النواب على الأقل، فستتقلّص قدرة ترامب على الدفع بأجندته قدمًا خلال العامين الأخيرين من عهده، وسيصبح مضطرًا إلى تقديم تنازلات للديموقراطيين من أجل إقرار أي تشريع يريده. ولن تقتصر التداعيات السلبية لخسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية على ما تبقّى من ولاية ترامب، إذ إن نتائج الخسارة وتداعياتها قد تنعكس على حظوظ المرشّح الجمهوري للانتخابات الرئاسية المقرّر إجراؤها عام 2028، خصوصًا في حال كان هذا المرشّح عضوًا في الإدارة الحالية.