من قرار حصرية السلاح في آب 2025 إلى حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله في آذار 2026، قرارات حكومية صريحة بقيت حبرًا على ورق بعد أن تصدّى لها حزب الله بالرفض القاطع.
عشية جلسة مجلس الوزراء في 29 تشرين الأول 2026، حسم الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الموقف بإعلانه أن «سلاح المقاومة غير مطروح للنقاش»، متمسكًا باستمرار نشاطه تحت شعار «شرعية حق المقاومة».
سواء كان توقيت البيان مقصودًا لتعميق إحراج السلطة أو مجرد مصادفة، فإن مضمونه يضع الحكومة أمام تحدٍّ سيادي وسياسي مباشر لا يرحم.
المشهد اليوم يختصر مواجهة بين منطقين: منطق الدولة المفترض احتكارها لقرار الحرب والسلم، ومنطق القوة المسلحة التي تحتفظ بقرارها المنفرد وتفرض على الدولة التعامل معه كأمر واقع.
ففي 5 آب 2025، كُلف الجيش اللبناني إعداد خطة تنفيذية لحصر السلاح بيد السلطة قبل نهاية العام، على أن تُعرض على الحكومة قبل انقضاء آب. كان ذلك الموقف خطوة رسمية في الاتجاه الصحيح، لكن غياب الجدية السياسية والعسكرية في إنفاذ القرار ، تحت شمّاعة حماية السلم الأهلي، زجّ البلاد في أتون حرب ضروس لا يدرك إلا الله كيف ستنتهي.
من هنا، فإن حسم الشيخ نعيم قاسم بأن السلاح «غير مطروح للنقاش» يطرح سؤالًا لا مفر للحكومة منه: هل استجلب حزب الله الاحتلال الإسرائيلي ليتخذ منه مبررًا متجددًا لبقاء سلاحه؟ وكيف يُستثنى ملف السلاح من النقاش والتنفيذ بعدما أقر مجلس الوزراء حظره وإلزام الحزب بتسليمه؟
لم تعد الإشكالية في غياب القرار الشرعي، بل في الفجوة الفاضحة بين القرار وجرأة التنفيذ. إن حكومة تُعلن حصرية السلاح وتفشل في رسم مسار تنفيذي واضح لقراراتها، تسقط هيبتها وتحول نصوصها السيادية إلى مجرد إنشاء بلا وزن.
لقد سدّد لبنان أثمانًا باهظة من الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي. وبصرف النظر عن ذرائع حزب الله لخياراته العسكرية، فإن التجربة أثبتت أن قرار الحرب لا يمكن أن يظل رهينة تنظيم مسلّح ينفذ أجندة إيرانية.
يطالب الشيخ نعيم قاسم إسرائيل بالالتزام بالقرار 1701 واتفاق 27 تشرين الثاني، لكن ألم يدرك أن الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة، ليست خيارات متناقضة، بل أركان متكاملة لا يستقيم تنفيذ القرار من دونها، ولا تُستعاد سيادة الدولة إلا بتحقيقها مجتمعة؟
أما ذريعة «شرعية المقاومة» واتفاق الطائف، فإن حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم لا يعني منح تنظيم مسلّح تفويضًا مطلقًا للعمل بمعزل عن الدولة. لاتفاق الطائف نصٌ وروحيّة يرتكئان على بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وحلّ الميليشيات وتسليم سلاحها للشرعية.
اللافت أن تحدي قاسم يقتحم المشهد بعد تردد الحكومات في اتخاذ قرار جريء بإحالة قضية متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي بتعللات واهية. وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف تستطيع الدولة فرض حصرية السلاح وهي تعجز عن الحزم القانوني أمام قضية نقل متفجرات بهذا الحجم؟ وكيف يقنع المسؤولون اللبنانيين بأن القانون يطال الجميع؟
في النهاية، تجرّأ الشيخ نعيم قاسم على تحدّي الحكومة علنًا، لأنه لمس ضعفًا وتخاذلًا في إرادة التنفيذ، عملًا بالمثل الشعبي القائل: «يا عنتر، مين عنترك؟ قال: عنترت وما حدا ردّني».
إذا كانت الحكومة قد حظرت الأنشطة العسكرية للحزب وألزمته بتسليم سلاحه، فإن مسؤوليتها اليوم تتلخّص في كشف كيفية تطبيق هذه القرارات أمام الرأي العام. فإمّا أن تثبت هيبتها من خلال تنفيذ قراراتها السيادية، وإمّا أن تسقط ورقة التوت وتخسر ما تبقّى من ماء وجهها، ليستمر التردّد في غزل شبكة عنكبوت تخنق الوطن والمواطن على حدّ سواء.