لبنان مهدد بإغلاق نافذة الفرصة التي دفع غاليًا ثمن فتحها، ويتخوف من أن يدفع كلفة توسيعها. فرصة جاءت مع التحولات المتسارعة التي قادت إليها عملية "طوفان الأقصى" وحرب غزة وحرب إیران وحرب إسناد غزة وطهران من لبنان وعملية إسقاط نظام الأسد بلا قتال بعد حرب طويلة. وما يخيف ليس فقط الاقتراب من ضياع الفرصة بقوة متغيرات خارج أيدينا أو تضييعها بأيدينا، بل أيضًا تحويل الفرصة إلى ورطة عميقة. فعلى مقياس الفرصة يأتي الخطر في أزمة لبنان المعقدة محليًّا وإقليميًّا. والدولة مرتبكة حتى في إدارة الأزمات ومحبطة جراء الحسابات والظروف الأميركية والإسرائيلية المرافقة للمفاوضات المباشرة واتفاق "الإطار الثلاثي". و"حزب الله" مصر على زيادة إرباك الدولة والاعتراض على المفاوضات التي تربط الانسحاب الإسرائيلي بسحب سلاحه، کما على ربط كل شيئ بإيران وحربها أو تفاهمها مع أميركا على أساس التصور، أن مسار "إسلام آباد"، يضمن الحفاظ على السلاح في کل "محور المقاومة".
والفرصة الأوسع هي بالطبع في المنطقة، حسب دانا سترول مديرة الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ونائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط من شباط 2021 إلى كانون أول 2023. فما رأته في مقال نشرته "فورين أفيرز" تحت عنوان "تناقض القوة في الشرق الأوسط" هو "فرصة لوضع الشرق الأوسط على طريق مختلف". وما حذرت منه هو أنه "إذا ضيعت أميركا فرصة القيادة، فإن الحظ لن يأتي ثانية لأجيال".
والرئيس دونالد ترامب أخذ فرصة القيادة بقوة عسكريًّا ودبلوماسيًّا واقتصاديًّا. لكن المشروع الكبير الذي يقود المنطقة على الطريق المختلفة، متعرج وكثير الطلعات والنزلات. ولا أحد يعرف إلى أي حد يصمد الرئيس المزاجي والارتجالي، وسط ضغوط داخلية قوية ومصالح خارجية متنوعة. لكن الكل في الشرق الأوسط وأميركا كما في روسيا والصين، يعرف أن إكمال هذا الطريق المختلف يحتاج إلى سنوات تتجاوز الباقي من رئاسة ترامب. وأصعب شيئ في أميركا، كما يقول الخبراء، هو "المزاوجة بين سياسة خارجية ثابتة وطويلة المدى وسياسات داخلية متحركة ومتغيرة".
والخطأ في قراءة الصورة مهلك. فالفرصة الصغيرة أمام لبنان مربوطة بالفرصة الكبيرة أمام أميركا. والخيط الرابط معرّض للارتخاء وربما للقطع من واشطن، إذا تأكدت من أن بيروت، لن تقوم بالمهمة المطلوبة منها. وهي ليست مجرد مهمة في لبنان معزولة عن مهام أخرى لدول إقليمية فيه ومن حوله. فما يحدث في الوطن الصغير، يسهّل أو يعرقل مسار اللعبة الإقليمية والدولية. والحظ ليس فقط لأميرکا بل أيضًا لإیران و"حزب الله" وبقية الأذرع الإيرانية في غرب آسیا. فضلا عن أن الفشل اللبناني في إنجاز المهمة التي عنوانها فقط حصرية السلاح بيد الدولة، لا یعني ترك لبنان على حاله وبلاياه، بل تعريضه للتدمير بالكامل تحقيقًا للأهداف الخطيرة التي يخدمها التوحش الإسرائيلي. والاندفاع الإيراني للحفاظ على الاستثمار الكبير للجمهورية الإسلامية على أرض لبنان وفي مجتمعه لن ترده حروب، لأنه من دون أسلحة "حزب الله" في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، بعد خسارة سوريا، لا مکان للمشروع الإقليمي الإيراني، ولو بقي النظام في طهران. وأقوى سلاح في يد إيران هو رخاوة واشنطن حيال الصفقات وضعف الحكومات العربية. و"السياسة الجيدة ليست ضمانًا أكيدًا للنجاح، لكن السياسة السيئة ضمان مؤكد للفشل" كما قال الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور.