في قلب غابة تسكنها الغربان والحيوانات الناطقة، وتتشابك فيها الأساطير مع المخاوف الإنسانية، يأخذنا فيلم "WILDWOOD" في رحلة تتجاوز حدود المغامرة التقليدية، لتصبح مواجهة مع الفقدان والخوف واكتشاف الذات. في الفيلم، نجد الغابة شخصية قائمة بذاتها، وفضاءً رمزيًا تختبر فيه البراءة قدرتها على مواجهة عالم لا يخضع لقوانينها.
تتمحور الحكاية حول المراهقة "برو ماكيل"، التي تنطلق لإنقاذ شقيقها الرضيع، بمساعدة زميلها في المدرسة "كورتيس"، داخل عالم غامض تحكمه قوى متصارعة وشخصيات غرائبية. وخلال هذه الرحلة، يصوغ المخرج ترافيس نايت حكاية عن الانتقال من الطفولة إلى النضوج، حيث يصبح عبور الغابة اختبارًا للشجاعة والمسؤولية، بقدر ما هو مغامرة في المجهول.
بصريًا، يستعيد الفيلم سحر التحريك المتقطّع (Stop-Motion Animation)، وهي التقنية التي تشكّل الهوية الإبداعية لاستوديوهات "LAIKA". وتكمن فرادة التجربة في ضخامة العمل الحرفي الذي يقف خلفها، مع 132 موقعًا للتصوير وديكورًا مصغّرًا، و223 دمية مصنوعة يدويًا، وأكثر من 142 ألف وجه مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، ضمن 2776 لقطة سينمائية. أرقام تكشف عن حجم الجهد الاستثنائي المبذول على مدى 16 عامًا لإحياء هذا العالم، حيث تُصنع الحركة إطارًا بعد إطار، وتُستبدل تعابير الوجوه بعناية فائقة، لتكتسب الشخصيات حضورًا حسيًا استثنائيًا.
وتبلغ هذه الحرفية ذروتها في المعركة الختامية الملحمية، التي تمتد لنحو 12 دقيقة، وتضم قرابة 3000 شخصية ضمن أكثر من 400 لقطة، في أضخم مشهد قتالي في تاريخ الاستوديو. إنها مواجهة تستحضر ضخامة المعارك الملحمية في السينما الواقعية (Live-Action)، لكن بفارق مذهل... إذ إن كل شخصية وكل حركة وكل تفصيل صُنع وحُرّك يدويًا، إطارًا بعد إطار، في استعراض تقني وفنّي يكاد يتحدّى حدود الممكن في فن التحريك.
كما تتجلّى براعة الفيلم أيضًا في تصميم الإنتاج (Production Design) والتكوين البصري (Visual Composition)، حيث يوظّف مدير التصوير كاليب ديشانيل الإضاءة والتباين بين عتمة الغابة وألوانها الساحرة لخلق أجواء تجمع الرهبة والدهشة. وتأتي موسيقى داريو ماريانيللي لتعمّق البعد الوجداني للرحلة. أما على المستوى الدلالي، فيلامس العمل موضوعات الفقدان والحزن والسلطة والعلاقة بالطبيعة، متجاوزًا ثنائية الخير والشر التقليدية. فالغابة مرآة للنفس البشرية، والشخصيات التي تعبرها تحمل جراحها ومخاوفها وأحلامها.
يحتفي "WILDWOOD" بالخيال السينمائي وبقوة الصورة المصنوعة يدويًا، مؤكّدًا أن التحريك ليس فنًا موجّهًا للأطفال فحسب، بل لغة سينمائية متكاملة قادرة على احتضان أعمق الأسئلة الإنسانية. أما "أوسكاريًا"، فنكاد نجزم بأن الفيلم سيكون أحد أبرز المرشّحين، بل إن فوزه بجائزة "أفضل فيلم تحريكي" (Best Animated Feature) في حفل "الأوسكار" لعام 2027 يبدو احتمالا قويًا للغاية، في ضوء ما يحقّقه من إجماع نقدي ومكانة متقدّمة في توقّعات الجوائز.
إنها رحلة إلى غابة بعيدة، لكنها في جوهرها رحلة إلى أعماق الإنسان نفسه، ضمن إنجاز سينمائي تاريخي. لا تفوّتوا فرصة مشاهدته في صالات السينما.