مايز عبيد

معالجة النفايات في طرابلس: أزمة تُدار بالبيانات والهروب إلى الأمام

4 دقائق للقراءة
معمل الفرز الحالي حيث يتم تكديس النفايات

تتجدّد أزمة النفايات في اتحاد بلديات الفيحاء لتفتح ملفًا شائكًا يتراكم فيه التقصير الإداري والقانوني منذ سنوات، بالتزامن مع محاولات إعادة تشغيل معمل الفرز الموجود الذي يتم استخدامه حاليًا لتكديس النفايات إثر إقفال المطمر، وفق مسار يسعى إليه رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي، بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة. إلا أن الوقائع المستندية والتاريخية المرتبطة بالمعمل ترسم صورة مختلفة تمامًا عن "الحل المستدام" المنشود.

مسار من التجاوزات والإخفاقات

المعمل الذي أُقيم أصلا على مساحة إجمالية تبلغ 15 ألف متر مربع، تضم هنغارين بمساحة 2000 و4000 متر مربع، بتمويل من هبة أوروبية وتغطية نفقات من وزارة التنمية الإدارية، كان يفترض أن يعالج 150 طنًّا من النفايات يوميًّا. إلا أن القصور رافقه منذ لحظة تسلّمه عام 2013، إذ أعلن حينها رئيس الاتحاد السابق نادر غزال أن المعمل لا يلبي حاجة مدن الفيحاء، التي كانت تنتج نحو 350 طنًّا يوميًّا.

وفي عام 2018، اضطر مجلس الاتحاد إلى مواجهة مشكلة الروائح الكريهة وتعطّل آلات تنقية الهواء، من خلال إغلاق المعمل موقتًا. وتوالت بعدها التجاوزات القانونية والمالية؛ ففي عام 2020، كشف رئيس بلدية طرابلس آنذاك الدكتور رياض يمق والمهندسة المسؤولة، عن تنفيذ أعمال داخل المعمل بتكليف من مجلس الإنماء والإعمار وبتمويل كويتي، من دون الحصول على ترخيص قانوني من البلدية التي يقع العقار ضمن نطاقها. إلى ذلك ارتفعت كلفة المعالجة إلى نحو 100 دولار للطن، وهي من الكلف المرتفعة عالمياً، نتيجة إعادة أكثر من 99% من النفايات إلى المطمر.


اختفاء معدات

عام 2021، أعلن رئيس الاتحاد في حينه حسن غمراوي عن اختفاء معدات من المعمل تُقدّر قيمتها بنحو مليون دولار، في عملية جرت في ظروف غامضة، ما دفع الاتحاد إلى رفع دعاوى قضائية ضد الشركة المشغّلة.

وقد انعكست هذه المخالفات القانونية ومؤشرات الهدر المالي في الإخبارات المقدّمة إلى النيابة العامة المالية من عضو مجلس بلدية طرابلس المهندس محمد نور الأيوبي، والتي تناولت تجاوز القوانين والأصول الفنية والتعاقدية. كذلك وُجّهت كتب ومراسلات إلى النائب الأوروبي تييري مارياني، طالبت برقابة ودعم أوروبيين للتحقيق في نفقات المساعدات ومكافحة الفساد البيئي. كما وَجّهت بلدية طرابلس كتباً رسمية إلى رئاسة الاتحاد، طلبت فيها تزويدها بنسخ العقود والمستندات المتعلقة بالمعمل ومناقصات تشغيله.

ينتقد رئيس لجنة البيئة والطاقة السابق لبلدية طرابلس المهندس نور الأيوبي في حديثٍ لـ"نداء الوطن"، التعاطي الرسمي مع الملف، معتبرًا أن ما يجري لا يتجاوز كونه محاولة للهروب إلى الأمام، وقال: "إن ما يقوم به اتحاد بلديات الفيحاء وبلدية طرابلس جلّه هروب إلى الأمام عبر مجموعة من البيانات من دون مضمون عملي. والدليل على ذلك الرفض المطلق والشعبي من مجلس بلدية البداوي لاستخدام العقارات الواقعة ضمن نطاقها كحل دائم، إضافة إلى قرار إعادة تأهيل المعمل المقفل، الملاصق للمنطقة الاقتصادية ومحطة القطار، وتبنّيه حكوميًّا".

أضاف: "سبب فشل المعمل وإغلاقه سابقًا لا يقتصر على الحاجة إلى تحسين المعدات فحسب، فالموقع جغرافيًا غير مناسب بتاتًا ليكون حلا مستدامًا، وسيؤدي إلى تعميق الأزمة البيئية مستقبلا. لقد أُنشئ المعمل من دون رخصة أو دراسة أثر بيئي، وكان مبرر وجوده قربه من المطمر القديم. أما اليوم، وبعد إقفال المطمر، فإن إعادة تأهيله تفقد أي جدوى اقتصادية، وتشكل عبئًا إضافيًا على كاهل المواطن، وهدرًا للمال العام، وتهديدًا للنهضة الاقتصادية في محيطه".

ويشدد الأيوبي على أن "المساحة المحدودة، البالغة 15 ألف متر مربع، لا تستوعب معالجة 450 طنًا يوميًا، مقارنة بمعمل صيدا الممتد على مساحة 40 ألف متر مربع، والذي عجز عن الحفاظ على الشروط البيئية عندما طُلب منه استقبال 250 طناً فقط. أنصح بعدم إضاعة الوقت والجهد، وعدم تحميل المواطنين أعباءً إضافية بلا جدوى، فمن الجنون تكرار الفعل نفسه وانتظار نتيجة مختلفة".


تكرار التجارب الفاشلة

تؤكد هذه المحطات المتراكمة أن أزمة النفايات في طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء لا يمكن حلّها بالترقيع الإداري أو تكرار التجارب الفاشلة، في مواقع غير مطابقة للمعايير البيئية والتنظيمية. فالحل المستدام يتطلّب شفافية مطلقة، ومحاسبة حقيقية على الهدر والتقصير، وتبنّي خطط علمية متكاملة تحترم صحة المواطنين وتصون المال العام، بعيدًا من سياسات الهروب إلى الأمام التي لا تؤدي سوى إلى تفاقم الأزمات البيئية والمعيشية.