في قاموس الممانعة، الهزيمة كلمة غير موجودة. وإذا وُجدت، فهي خطأ مطبعي يجب تصحيحه فوراً إلى «انتصار استراتيجي».
تخسر الأرض؟ انتصار بالصمود. تُدمّر البيوت؟ انتصار بالإرادة. يسقط القادة؟ انتصار باستمرار المسيرة. تنتهي الحرب بتسوية أقل بكثير من الأهداف المعلنة؟ انتصار بإجبار العدو على التفاوض.
باختصار، الممانعة لا تخسر أبداً. وإذا اعتقدت أنها خسرت، فالمشكلة في قدرتك على الفهم، لا في قدرتها على الانتصار.
لكن يبدو أن الانتصارات المحلية لم تعد تكفي. فبعد سنوات من تحويل الخسائر إلى إنجازات، قرّرت الممانعة، في خطاب بعض أنصارها، توسيع نشاطها وافتتاح فروع دولية لوكالة الانتصارات الحصرية.
وهكذا بات كل حدث في العالم قابلاً للتسجيل باسمها. يفوز رياضي بميدالية؟ انتصار لثقافة المقاومة. ينجح عالم في اكتشاف؟ ثمرة الصمود. يفوز فريق كرة قدم؟ ضربة موجعة للمشروع الأميركي الإسرائيلي. ولو فاز فريق في مباراة شطرنج، لربما اكتشفنا أن كش ملك كانت نتيجة مباشرة لتوازن الردع!
أما الانتخابات النصفية الأميركية، فقد فتحت باباً جديداً للاستثمار في الانتصارات المستوردة. يتراجع الجمهوريون، فتظهر القراءة التي تعتبر ذلك انتصاراً لإيران. وكأن الناخب الأميركي، قبل التوجه إلى صندوق الاقتراع، اتصل بالحرس الثوري ليسأله لمن يمنح صوته.
الأميركي الذي صوّت بسبب غلاء المعيشة أو الضرائب أو الهجرة، قد يفاجأ بأن صوته أصبح جزءاً من الإنجازات الاستراتيجية لطهران. وربما عليه أن ينتظر رسالة شكر من المرشد الإيراني على مساهمته غير المقصودة في محور المقاومة.
والأجمل أن الديمقراطي الذي يفوز بمقعد في الكونغرس قد يكتشف، من دون علمه، أنه بات زميلاً سياسياً في المحور. بقي فقط أن تُرسل إليه بطاقة العضوية!
أما الانتخابات الإسرائيلية، فهي حكاية أخرى. إذا خسر نتنياهو، تكون الممانعة قد أسقطته. وإذا فاز، يكون الإسرائيليون قد أعادوا انتخابه من شدة خوفهم منها. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: انتصار للممانعة.
وهنا قد نحتاج إلى توضيح صغير: هل أصبح غادي إيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، من عناصر محور المقاومة لمجرد منافسته نتنياهو؟ وهل الناخب العربي في إسرائيل، عندما يدلي بصوته، يعلم أنه يشارك في عملية استراتيجية تقودها طهران؟
بهذا المعدّل، قد نسمع قريباً أن الممانعة حققت انتصاراً في انتخابات بلدية في السويد، أو أنها ساهمت في إسقاط رئيس نادٍ رياضي في الأرجنتين. فالمهم أن يخسر أحد لا تحبه، لتصبح خسارته انتصاراً لك.
لكن الطرافة تنتهي عندما نعود إلى لبنان.
فهنا، حيث يُفترض أن تظهر نتائج كل هذه الانتصارات، لا يزال المواطن يبحث عن بيته، والمهجّر ينتظر العودة، والاقتصاد يدفع الثمن، والدولة تحاول استعادة قرارها.
والغريب أن الممانعة التي تستطيع، بحسب هذه الروايات، التأثير في صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب، لا تستطيع أن تضمن عودة مواطن إلى منزله في الجنوب.
إنها معادلة تستحق التدريس: قدرة هائلة على تحقيق الانتصارات في الخارج، وعجز عن تحويلها إلى أمن واستقرار في الداخل.
المشكلة ليست في الفرح بخسارة خصم، ولا في اعتبار الصمود إنجازاً عندما يكون كذلك. المشكلة في تحويل كل نتيجة إلى انتصار، وكل خسارة إلى مؤامرة، وكل نجاح للآخرين إلى ملكية فكرية للممانعة.
ففي هذه المدرسة، الانتصارات لها ألف أب، أما الهزائم فلا أب لها، ولا أم، ولا حتى عنوان إقامة.
وإذا سأل أحد عن النتائج، جاءه الجواب المعتاد: أنت لا تفهم المعادلات الإقليمية.
ربما لا نفهمها فعلاً. لكننا نفهم أن الانتصار يجب أن يجعل حياة الناس أفضل، وأن يحمي الأرض والبيوت، وأن يعيد المهجّرين، وأن يعزّز الدولة لا أن يتركها تبحث عن سيادتها.
أما إذا كانت الممانعة تنتصر في الحروب، وفي الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وفي الرياضة والثقافة والسياسة، فهناك سؤال بسيط:
لماذا يدفع اللبنانيون وحدهم فاتورة كل هذه الانتصارات؟
وربما حان الوقت لإنشاء وزارة خاصة لتصريف فائض الانتصارات، ما دامت البلاد عاجزة عن الاستفادة منها!
لكن قبل افتتاح الوزارة، لدينا طلب متواضع: اتركوا انتصارات الأميركيين للأميركيين، وانتخابات الإسرائيليين للإسرائيليين، وميداليات الرياضيين للرياضيين.
واتركوا لبنان لدولته.
فلبنان لا يحتاج إلى انتصار جديد للممانعة في واشنطن أو تل أبيب، بل إلى انتصار واحد للدولة في بيروت.