بيروت وأمن الشارع: أين يقع الحد الفاصل بين وجع المواطن وحملات الاستهداف؟

3 دقائق للقراءة

​تشهد العاصمة بيروت في الآونة الأخيرة نقاشات حامية على خلفية تسجيل حوادث نشل وسرقات فردية تعكر صفو الأمن اليومي للناس. وتسببت هذه الحوادث بموجة انتقادات واسعة طالت قوى الأمن الداخلي، وتحديداً شعبة المعلومات، فضلاً عن وزارة الداخلية والبلديات والوزير أحمد الحجار. وإذا كان حق المواطن في الأمن الكامل مقدساً، ولا يُسمح بالمساس به تحت أي ذريعة، فإن العدالة في قراءة المشهد تقتضي تفكيك الأمور بموضوعية بعيداً عن الشعبوية التي تخلط الأوراق وتظلم المؤسسات التي تقف سداً منيعاً في وجه الانهيار الشامل.


​وهم "التعميم" وظلم الأرقام

​تنطلق الحملات الأخيرة من تعميم حالات فردية واختزال عمل الأجهزة الأمنية في إطار "التقصير"، متجاهلة تماماً طبيعة ما تقوم به هذه المؤسسات في الميدان.

ففي علم الجريمة، تُصنّف جرائم النشل السريعة عبر الدراجات النارية ضمن "الجرائم الانتهازية" التي لا تحتاج إلى تخطيط مسبق، بل تستغل غفلة عابرة أو ثغرة جغرافية طارئة.

​ولكن، هل يصح تقييم جهاز أمني بحجم وسجل "شعبة المعلومات" بناءً على ثغرة شارعية؟

الواقع والأرقام الرسمية يقدمان إجابة حاسمة. فصلاحيات الشعبة الأصيلة في مكافحة الجريمة الجنائية وملاحقة العصابات في العاصمة وسائر المناطق تُترجم يومياً عبر عمليات دقيقة. وتشهد السجلات الأمنية على أن النسبة الساحقة من هذه العصابات تُكشف وتُتتبع عبر الكاميرات والتقنيات الاستعلامية وتُوقَف خلال ساعات أو أيام معدودة وتُحال إلى القضاء. إن دور الأمن الحقيقي يكمن في ملاحقة الجناة وكسر حلقة إفلاتهم من العقاب، وهو ما تؤديه المؤسسة بكفاءة استثنائية رغم كل الظروف.


​وزارة الداخلية وإدارة الأزمة بـ "اللحم الحي"

​من غير المنصف عزل الأداء الأمني عن الواقع المالي واللوجستي المزري الذي تعاني منه الدولة ومؤسساتها كافة. فتراجع الموازنات التشغيلية، وصعوبة تأمين المحروقات، ونقص الآليات، والضغط الهائل على طاقة العناصر والضباط، تشكل كلها حواجز حقيقية أمام تحقيق تغطية بوليسية شاملة لكل زاوية في الشارع على مدار الساعة.

​وعلى خطى إدارة الممكن، تقود وزارة الداخلية برئاسة العميد أحمد الحجار مقاربة واقعية تهدف إلى ترشيد وتوزيع القوى المتاحة نحو النقاط الساخنة، فضلاً عن السعي المستمر لتفعيل التنسيق المشترك بين شرطة بيروت والشرطة البلدية لردم الفجوة الميدانية. إنها إدارة أزمة بمعايير دقيقة، وليست ترفاً استراتيجياً.


​خارج سور الأمن: البيئة الحاضنة والثغرات

​إن مقاربة أمن الشارع لا يمكن أن تنجح بمنأى عن الأسباب البنيوية. إذ ان الجرائم الصغرى تتدفق طرداً مع تفاقم الفقر والبطالة وتآكل الأمن الاجتماعي، وهي أزمات تقع خارج صلاحيات وزارة الداخلية.

يضاف إلى ذلك الهجس المتواصل المتعلق بدوران "المفرمة القضائية والسجون"، حيث يخرج بعض أصحاب السوابق سريعاً بفعل الاكتظاظ أو الثغرات، ليعودوا إلى الشارع ويكرروا أفعالهم، مما يضع القوى الأمنية في حلقة استنزاف دائمة تجهد كل مقومات الردع.


​كلمة مسؤولة

​يؤدي استهداف قوى الأمن الداخلي وشعبة المعلومات ووزارة الداخلية تحت شعار "حماية أمن بيروت" عكس الغاية المرجوة. فهو يحبط معنويات ساهري الليل باللحم الحي، ويضعف الحصن الأخير للدولة. إنصاف العاصمة وأهلها لا يكون بهدم المؤسسات، بل بمدّها بالدعم اللوجستي الفعلي، وتكامل الجهود القضائية والبلدية، لتشكل معاً الطوق الحقيقي لأمن المجتمع واستقراره.