مرّ خبر إقفال مستديرة زحلة ليل السبت تزامناً مع التحرّكات الشعبية التي عمّت المناطق إحتجاجاً على الإرتفاع المتواصل في سعر صرف الدولار، من ضمن نشرات الطرقات المقطوعة التي أصدرها "التحكّم المروري"، ومحاها صباح يوم الأحد، لتعود الحركة طبيعية بالكامل على المستديرة التي احتضنت شعار ثورة 2019، عاكسة الصعوبة التي يواجهها ثوّار زحلة في إقناع الزحليين بنقل نبض الغضب الذي يتشاركونه مع سائر اللبنانيين، من خلف الشاشات الى الساحات.
وعليه، بدا ردّ الفعل الزحلاوي على تسعيرة الدولار المتصاعدة هزيلاً، إذا ما قورن بالحراكات التي شهدتها مناطق أخرى كجلّ الديب والذوق، واللذين تتقاطع معهما زحلة في تركيبتها الإجتماعية والسياسية. وترجم ذلك كنتيجة لتداعيات اللغط الذي أثاره نزول مواطنين الى الشارع منذ أيام، قبل أن تتبيّن طبيعة حراكهم "الموجّهة" من البيئة الشيعية بخلفيات غير معلنة.
وبحسب المحامي ميشال ملو، وهو واحد من الوجوه العروفة في ساحة زحلة منذ اندلاع ثورة 17 تشرين، "فإنّ الحراكات الأخيرة أثارت شكوكاً عندما ظهرت محسوبة على فريق مغاير للثورة، ما ترك انطباعاً بأنّ "حزب الله" يحرّك شارعه في ضغط معيّن لتسريع تشكيلة الحكومة والحصول على مكتسبات.
ولكنّها ليست المرة الأولى التي يبقى فيها الشارع الزحلي بحياد عن غليان الشارع اللبناني عموماً، بل يتحدّث مطّلعون عن خصوصية زحلية، تجعل الزحليين الذين ينزعون دائماً للتوحّد حول قضاياهم المحلية، يتحفّظون عن إظهار حماسهم تجاه القضايا الوطنية.
سمات كثيرة لهذه الخصوصية يتحدّث عنها ملو، أبرزها ما يتعلّق بتركيبة الجغرافيا الإجتماعية في هذه المنطقة، والتي تولّد ميلاً زحلياً لتجنّب كل ما يمكن أن يستفزّ محيطه المتنوّع بانتماءاته الطائفية والسياسية. هذا فضلاً عن التنوّع السياسي داخل مدينة زحلة نفسها، والتي وإن رجحت كفة "القوات اللبنانية"، فإنها تراعي المكونات السياسية الأخرى، لتظهر كمجتمع يحافظ على بعضه البعض، فضلاً عن التدخّلات المؤثرة وبعضها من قبل مجلس أساقفة المدينة، للحدّ من إندفاعة الثوار كلما حاولوا التشدّد في الساحات، الى قناعة باتت متوفرة لدى من يشاركون في تحرّكات الشارع أيضاً، بأنّ إغلاق طريق في زحلة، مهما كان محكماً، لن يكون له تأثير مشابه لما يمكن أن يفعله إغلاق الطرقات في جلّ الديب والشيفروليه وغيرها من المناطق.
خصوصية أخرى يلفت اليها ملو أيضاً، وقد تكون حدّت من حماس الزحليين للشارع، وهي أنّ الأحزاب المنضوية في الثورة أظهرت ليونة أكبر في مناطق كجلّ الديب والذوق وغيرها، حيث تركت هامشاً من الحرية للمنتسبين والمؤيدين كي يشاركوا في حراكاتها، بينما تحكّمت قيادات الأحزاب في زحلة بحراك مناصريها في المدينة، لتتّسع مشاركة الحزبيين بناء لقراراتها، وتتراجع اذا كان قرارها الخروج من الشارع.
ومع ذلك يقول جهاد الترك، أحد الناشطين الذين سعوا منذ البداية لتأطير الحالة الشعبية الزحلية في مجموعة أطلق عليها تسمية "زحلة تنتفض"، لا يمكن لوم الناس على عدم رغبتها بالعودة الى الشارع مجدّداً، أو عدم حماسها للشارع، فهذا قرار يتّخذه كلّ فرد، إما بالنضال أو بترك غيره يناضل عنه، بينما إغلاق الطرقات صار بالنسبة لنا موضوعاً تفصيلياً، وثورتنا أخذت منحى هادفاً أكثر. وقد نجحنا في تشبيك حراكنا مع المجموعات الثورية في كلّ لبنان، ليس لإغلاق الطرقات وحرق الدواليب وانما للتخطيط لمستقبل لبنان، وفي هذا الإطار نحن قادرون على التفاهم مع كل المجموعات اياً كانت توجّهاتها السياسية، لأنّ هدفنا واحد ولو اختلفت الطرقات، وهو بناء الدولة.
بالنسبة لملو، البقاء في الشارع هو ريثما يتحقّق واحد من هدفين، إمّا أن يستيقظ الشعب كلّه لنقوم بانقلاب شامل على الطبقة السياسية الحاكمة، أو نحقّق التغيير من خلال إيصال صوتنا الى المجتمع الدولي.
أمّا حالياً برأيه، فإن الشارع لن يحقق شيئاً، متحدّثاً عن تفاوت بوجهات النظر حتّى بالنسبة لتوصيف أساس الأزمة اللبنانية، بين من يعتبرها أزمة إقتصادية فقط، ومن يرى فيها إنعكاساً لأزمة سياسية أعمق يتسبّب بها "حزب الله" وكلّ من كانوا مساهمين بتغطية سياساته وقرار الحرب الذي يتحكّم به من خارج إطار الدولة.