جمعتْني الصدفة على مدى أيام، في مطالع الثمانينات، في أصيلة المغربية مع الكاتب الإيطالي الراحل ألبرتو مورافيا.
كان "عديلَ" صديقي، الفنان المغربي، محمد المليحي، إذ تزوج الأول من: داشا مَراييني، والثاني من اختها: توني.
كنت أتمشى في أزقة أصيلة مع الكاتب المغربي محمد شكري، عندما شاهدتُ رجلاً يتقدمنا، اعرج، ويبتعد عن السور الحجري المفضي الى البحر، لكي يبقى قريباً من الحائط.
قلتُ لشكري يومها: هذا الرجل يشبه الأحدب في قصيدة ابن الرومي: ذاك يتجمع مخافة أن يقع... وهذا يلتصق بالحائط مخافة ان يقع.
التشبيه قبيح، لكنني كنتُ اتبادل الاستغيابات الخفيفة مع شكري...
يومها كنتُ اتجه للغداء في بيت المليحي، وكذلك... مورافيا.
كان غداء خفيفاً ولطيفاً، من دون جدية فائقة، او ثقافة زائدة.
التقيتُ بمورافيا في صباح اليوم التالي وغيره. كلام متفرق من دون رابط...
كانت تشغلني، حينها، وبإلحاح، مسألة الكتابة: كيف لي أن أتأكد من كوني كاتباً؟
سألني مورافيا في مقهى- مطعم "القصبة": هل تحب الاوبرا؟ أجبتُه بالنفي. ثم سأل: ألا تحب الغناء؟ اجبتُ: بالطبع. ثم استعاد الكلام: ألا تحكم على جمال صوت المطرب او المطربة منذ جملتها الغنائية الاولى؟ اجبتُ: بالطبع.
ثم أنهى عرضه بالقول: هكذا هو جمال الكتابة، لك ان تتفقده منذ الجملة الاولى.
قلتُ له: فعلاً، من دون أن أدرك عواقب جوابي هذا.
فقد انتهيتُ، بعد ذلك، إلى الكتابة. ولكن يبدو أنني كنتُ مثل من يغني ويستمع إلى نفسه، فيجد أنه مجيد في الغناء...
أو كنتُ مثل من لم يجد أمامه ما يفعله غير التلهي بما هو بسيط، بين يديه، فوق لسانه، من دون حاجة الى غيره.
ألا تكون الكتابة هذا الهوسَ الطفولي، الذي قد يصبح هوساً مشتركاً مع الغير، من دون إلزام من احد؟
ألا تكون الكتابة ما يتعدى الصوت، والحوار المباشر، وما يربط بين مورافيا وشكري وهذا المتبصر في هذه الكلمات المتعالية في فضاء أصيلة، وفي فضاء الكتابة.