وهبي قاطيشه

المكابرة والسقوط

20 آذار 2021

02 : 00

ليلة سقوط حكم القيصر نقولا الثاني في روسيا عام 1917، اتصل بوزير خارجيته مستفسراً عن الوضع الأمني بعد التظاهرات التي حصلت ذلك اليوم، فأُجيب: "شوية تظاهرات خفيفة والوضع تحت السيطرة". وفي اليوم التالي اقتيد القيصر وعائلته إلى الإعدام؛ وانتهى بذلك حكم مئات السنين لعائلة رومانوف في روسيا.

واقعة قيصر روسيا وأمثالها كثيرة هي في التاريخ وحتى المعاصر، وكلها تؤكد أن أصحاب العروش: ملوكاً كانوا أم رؤساء أم أباطرة، يرفضون الإقرار بواقع التحوُّل لدى الشعوب، التي عانت من ظلم الحاكم أو عزلته أو نتائج حكمه؛ وأكثر من ذلك، عندما يتحوَّل الحاكم إلى رهينة بيد المستشارين، إذا كانوا مدسوسين أو ودائع أو أصحاب مصالح خاصة، على حساب الدولة والمواطنين، أو عدم كفاءة؛ فيحجبون عنه الحقائق التي تقود منظومة الحكم إلى الإنهيار.

ما أشبه منظومتنا الحاكمة اليوم بالقيصر الروسي!! فنقولا الثاني قد يكون معذوراً، ففي عصره لم يكن يوجد تلفزيون أو إذاعة، ولا حتى صحافة حرة؛ واستمرت معلوماته مقتصرة على المستشارين، فدفع ثمن هذا الإرتهان، عرشه وتراث عائلته العظيم.

على خطٍّ آخر، وقفت ماري أنطوانيت خلال ثورة الفرنسيين على الجوع لتقول ببراءة الجاهل: "اعطوهم بسكويت"؛ بدون أن تدرك أن الخبز مفقود في الأفران فكانت نهايتها وزوجها في المقصلة.

وبالأمس وقف الرئيس القذافي، بعد 42 عاماً من الحكم الفردي الجائر في ليبيا، وهو يهدد المتظاهرين بالقول: "سألاحقكم زنغا زنغا" أي (غرفة غرفة)؛ لينهي حياته على يد الثوار بشكل مهين.

قد يدّعي الحكام، الذين دفعوا حياتهم أثماناً، جهلهم بالواقع. لكن حكام اليوم يملكون الشاشات والإذاعات والصحافة الحرة ووسائل التواصل اليومي... لذلك لا يجوز لهم التغاضي عن مآسي الناس وأوجاعهم، إلاّ في إحدى حالتين: إمّا أنهم خاضعون لسيطرة المستشارين والودائع، بحيث أصبحوا ناطقين باسم هؤلاء؛ أو أنهم يفتقدون إلى الضمير الحي والمسؤولية القيادية؛ أو الإثنين معاً. إنها اليوم مأساة الشعب اللبناني.

السلطة في لبنان مدركة تماماً لما حصل في مغاور الكهرباء لأكثر من عشر سنوات، والذي تسبب بهدر حوالى 45 مليار دولار من أموال اللبنانيين، والتي قد يكون بإمكانها إضاءة الصينّ. وفي نهاية المطاف تضع اللبنانيين أمام خيارين: "إمّا أن تعطوني ما تبقّى من شحٍّ في جيوبكم وإلا فالعتمة قادمة". وكأن اللبنانيين باتوا بحاجة إلى "توماس إديسون" لإنقاذهم من مافيا الكهرباء وعتمتها.

في الإتصالات كان لبنان سبَّاقاً في الشرق، وبات اليوم في كعب قائمة الدول المستفيدة من هذه الخدمة، وقد نصل يوماً إلى دعمها، أسوة بالكهرباء لتأمين استمرارها إذا استمرّت على هذه الحالة من التردّي؛ بسبب كثافة توظيف الأزلام والمحاسيب بدون مبرر للحاجة، و"لهط" أموالها من قبل المسؤولين في غياب الرقابة ورفض تعيين الهيئة الناظمة للإشراف على عملها، إضافة إلى بعض الرواتب الخيالية لبعض المحظيين في القطاع. وكأن اللبنانيين باتوا بحاجة من جديد إلى "ألكسندر غراههام بل" لإنقاذهم من مافيا الإتصالات وفساد القطاع.

في الإقتصاد، فقدت الليرة قيمتها ولم تعد مادة صالحة للتداول والتبادل الإقتصادي والتجاري. وقد نشط مؤخراً بعض المواطنين في بعض المناطق، إلى اعتماد التجارة البدائية المعروفة منذ آلاف السنين على أساس المقايضة: مثلاً 6 كيلو برغل مقابل 3 عدس... وهكذا دواليك، بينما "ماري أنطوانيت" تعجب لمشهد اللبنانيين يتقاتلون على علبة حليب على أبواب السوبر ماركت.

في التربية أفسدت السلطة الجامعة اللبنانية كمّاً ونوعاً، بتكديس المحاسيب والمحظوظين في الوظائف لتتحوَّل الجامعة إلى مصدر للإرتزاق، بدل أن تكون مهمتها إعداد معلّمي الأجيال المقبلة. وبات اللبنانيون بحاجة إلى "أرسطو" جديد لتصحيح مسار الجامعة. وقد يتطلَّب ذلك عشرات السنين لتستعيد دورها التاريخي في صناعة الأجيال.

مالية الدولة المنهارة تدعم، تحت عنوان مساعدة اللبنانيين، الدواء في العراق وأفريقيا، الرز في الكويت والمواد الغذائية في السويد وكندا... في عملية تعامٍ وتآمر غير مسبوقة في تاريخ لبنان.

في بقية الوزارات: زراعة، صناعة، صحة... وغيرها، حدِّث ولا حرج عن انهيار القيم الأخلاقية: الحدود فلتانة، والتهريب ناشط، والمهربون معروفون، وهم يعملون لصالح مسؤولين إداريين وسياسيين، بينما أركان السلطة يقولون: القصة أكبر منّا. وبعدين: "ضيعتوا أموال الناس وبتتحججوا القصة أكبر منّا!!!".

المنظومة الحاكمة تعلم بكل هذه الجرائم الموصوفة والموثقة ولا تحاول منع ذلك لأنها تكابر كما سبق لأشباهها أن كابروا وسقطوا في غياهب الإجرام التاريخي ؛ خصوصاً ما نشهده من فقدان الثقة بين المسؤولين وطريقتهم المشينة في التخاطب، وعندما تضيع الثقة بين المسؤولين يغرق المواطن في دوامة الفوضى؛ إنها ظاهرة المكابرة التي تقود أصحابها حتماً إلى السقوط.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.