شغلت قضية الإتجار بالبشر والغلّ الذي تتعرض له النساء في لبنان الرأي العام أخيراً، فبعد المؤتمرات والندوات والأفلام القصيرة التي تناولت الموضوع، تطلّ علينا الكاتبة والمخرجة سحر عساف لتعرض مسرحاً وثائقياً يضع الإصبع على الجرح ويُظهر فداحة هذه الجريمة المرتفعة أسهمها منذ اللجوء السوري الى لبنان. داهمت مفرزة استقصاء جبل لبنان ملهيي "شي موريس" و"سيلفر" في منطقة جونيه ليل 27 آذار 2016 ، وتمّ إنقاذ 75 امرأة سورية من براثن أكبر شبكة للاتجار بالبشر في تاريخ لبنان. حاز الحدث على اهتمامٍ إعلاميّ واسع، إذ أدلت النسوة بشهادات حياتهنّ كاشفات عن مدى التعذيب وسوء المعاملة اللّذين تعرضّن لهما. يهدف الوثائقي "لا طلب لا عرض" الذي يُعرض في استديو زقاق، كورنيش النهر، إلى رفع صوت الناجيات من الشبكة وإلقاء الضوء على جانب تم تجاهله تماماً في وسائل الإعلام الرئيسة، وهو موضوع "تجّار الجنس". تبيّن المسرحيّة كيفية استخدام النساء كسلع من قبل رجال يساهمون بانتشار الجريمة عبر دفع مبالغ ماديّة مقابل تمضية ليلة جنسية مع إحدى النساء. انضمّ ستة ممثلين، خمس نساء ورجل واحد، إلى عساف التي ابتدعت فكرة العرض الوثائقي، حيث استندت الى مقابلات مسجّلة مع لاجئات سوريات ناجيات من شبكة دعارة وإتجار. وتؤدي الممثلة سيرينا شامي دور إحدى الناجيات، فتتوجّه إلى الجمهور على المسرح قائلةً: "قلتلو لا. أنا ما بدي اشتغل شغل دعارة. قال: لأ. يجب أن تشتغلي. قلتلو: أنا ما جيت حتى إشتغل بالدعارة، قلّي: لأ بدك تشتغلي غصباً عنّك".
في حديث لـ"نداء الوطن" تشير عساف الى أنّ "فكرة المسرحية ولدت بعد الإضاءة على قضية "شي موريس" في الإعلام، ومن هذا المنطلق بدأت رحلة الأبحاث حول هذا الموضوع"، مؤكدة أنّها "تعاونت مع منظّمة "كفى" لأنّ جزءاً أساسيّاً من المسرحية يرتكز على دراسةٍ قامت بها الجمعية العام 2014 تناولت موضوعي الدعارة والتجارة الجنسيّة". ولفتت الى أنّنا "نعيش في بلد يتعرّض للمرأة وكرامتها يومياً إن عبر تعنيفها، أو قتلها أو حتى الإتجار بها وبجسدها"، مشدّدة على أنّ "موضوع الإتجار استفزّها وأغضبها كثيراً خصوصاً أنّ آلاف الرجال المشاركين بالجرم لا يدانون لأنّ المجتمع يوجّه أصابع الإتهام الى النساء فقط". وإذ أكدت عساف أنّ "المسرحية تطرح أبعاداً عدّة للجرم وتشرّح القضيّة بكلّ واقعية"، قالت إنّ "العمل لا يقدّم الحلول لأنّ السلطات الأمنية والقضائية والتشريعية وحدها المعنية بهذا الموضوع"، منوّهةً بـ"النقاشات التي تجريها المسرحية في مواضيع الدعارة والاتجار والعنف ضد النساء". يذكر أنّ "لا طلب لا عرض" عُرضت للمرّة الأولى في نيسان 2016 على هامش مؤتمر "إعادة الإعمار ما بعد الحرب: سوريا والعراق واليمن وفلسطين"، من تنظيم وتمويل مركز الفنون والآداب (Mellon Grant) في الجامعة الأميركية في بيروت، وتبعه عرض ثانٍ على مسرح إروين LAU في أيار 2017 بالتعاون مع المعهد العربي للمرأة وعلى مسرح المدينة في 4 تموز 2017 بالشراكة مع منظمة "كفى". كذلك تم اختيار العرض للمشاركة في مهرجان "بين البحار" للمسرح في أثينا. وفي تشرين الأول 2017 تمت قراءة مقتطفات من المسرح في مركز مارتن سيغال للمسرح في نيويورك. وكانت فضيحة "شي موريس" ظهرت الى العلن منذ ثلاث سنوات تحت عنوان "غوانتانامو الدعارة"، وأبطالها عصابة تتاجر بالنساء السوريات، فتقوم بخطفهنّ، واحتجازهنّ في أحد الفنادق والشاليهات في كسروان وإجبارهنّ على الدعارة تحت وطأة التهديد، والتعنيف بوحشيّة وتعريضهنّ للإجهاض بعد الحمل. وعاشت نحو خمس وسبعين امرأة في "قفص جنسي" سجّانه رجل سوري مع شريكه اللبناني، أوقفا بانتظار الحكم الأخير الذي سيصدر بحقّهما في منتصف تشرين الأول المقبل. وكان بيان قوى الأمن الداخلي أشار حينها الى أنّ "النساء تعرضن للضرب وأجبرن على ممارسة الفحشاء تحت الضرب والتهديد بنشر صورهن عاريات".
* العرض الأخير في الثامنة والنصف من مساء اليوم في "استديو زقاق"، الكرنتينا- كورنيش النهر. للاستعلام: 570676 / 01