جاد حداد

ناتالي بورتمان: الجمال عابرٌ كفراشة تعيش لحظاتها الخاطفة

7 دقائق للقراءة
لطالما أدهشتنا ناتالي بورتمان بمجموعة من الأدوار التي تستحق أهم الجوائز، بدءاً من شخصية راقصة الباليه المأسوية وصولاً إلى "السيدة الأولى" الأسطورية. وفيما تطلق مشروعها الجديد بدور رائدة فضاء شجاعة، تتكلم الممثلة المميزة عن اختيارها كوجه لعطر Miss Dior وقوة الغضب النسائي في حياتها!



لا تشتهر بورتمان بذكائها الهائل فحسب (درست علم النفس في جامعة "هارفارد" تزامناً مع التزامها بتصوير سلسلة Star Wars (حرب النجوم)، فقد تفوقت على نفسها أيضاً بشخصية "جاكلين كينيدي" في الفيلم الدرامي Jackie الذي أكسبها ترشيحاً لجائزة الأوسكار. ثم شاهدناها حديثاً في Vox Lux بدور نجمة بوب، ولم ننسَ مشهدها الخالد حين تشقّ طريقها بكل غضب نحو غرفة مليئة بالمراسلين وتنظر إليهم بازدراء.

ربما تعطي أعمال بورتمان هذا الأثر بفضل قدرتها على الغوص في الظلام والتألق في الضوء. هذا ما يفسّر على الأرجح أداءها القوي في Black Swan (البجعة السوداء) الذي فازت عنه بجائزة أوسكار، حيث تُجسّد شخصية راقصة باليه مضطربة تجد صعوبة في أداء دور مزدوج: البجعة البيضاء الملكة "أدويت"، والبجعة السوداء الشريرة "أوديل". كان الفيلم مستوحى من مسرحية Swan Lake (بحيرة البجع) لتشايكوفسكي.

على صعيد آخر، تدرك بورتمان معنى أن تصبح تجسيداً معاصراً لـMiss Dior: "إنه إنجاز مدهش لأن كاثرين ديور كانت صاحبة قيم عليا وشجاعة كبرى واستقلالية فائقة، واستوحى كريستيان ديور العطر من هذه الصفات الكامنة فيها، وهذا ما أطمح إليه في حياتي الخاصة".

تُعبّر ناتالي أيضاً عن إعجابها بما تفعله ماريا غراتسيا شيوري في شركة "ديور"، باعتبارها أول امرأة تتولى الإخراج الفني في هذه الماركة: "من المدهش أن تُصمّم امرأة لنساء أخريات، لأنها تفهمنا وتعرف أننا قد نرغب أحياناً في ارتداء قميص قطني وانتعال حذاء مسطّح، أو نريد جيوباً في الفساتين. أنا معجبة بشيوري نظراً إلى تعاونها الاستثنائي مع الفنانات وقدرتها على ابتكار ملابس جميلة تسمح للنساء بالتحرر بدل حصرهنّ في إطار ضيق. إذا عجزت المرأة عن التنفس في ثوبها، ما معنى ذلك؟ إنه أقوى رمز حرفي للظلم على الإطلاق. لهذا المفهوم بُعد سياسي بامتياز".

حين كانت تتكلم بكل حيوية، بدا واضحاً أنها تقدّر أفراح الحياة وتتقبّل في الوقت نفسه واقعها الصعب: "أحب الجمال والأناقــة، ويمكن أن يكونا جزءاً مــن حـلاوة الحيـــــاة في وجــه مظاهـــر الظـلام، ولهذا الجانب قيمة كبرى". مجدداً، ترتكز بورتمان في أفضل أعمالها كممثلة على هذا النوع من المفاهيم المزدوجة. هذا ما يفسّر تجسيدها المذهل لدور جاكي كينيدي، السيدة الأولى الراقية التي خسرت اتزانها عند اغتيال زوجها وبقيت ببذلتها الزهرية المغطاة بالدم كي يشاهد العالم حقيقة ما حصل في ذلك اليوم المريع في "دالاس". من وجهة نظر بورتمان، من النادر أن يتمكن شيء ملموس من تجسيد حالة عاطفية بامتياز (في إشارةٍ إلى البذلة الملطخة بالدم). لا تبدو هذه الممثلة مقنعة بدور الأرملة المفجوعة فحسب، بل تضفي جانباً أعظم بكثير على أدائها المؤثر، فتُجسّد اللهاث في صوت جاكي كينيدي بشكلٍ مثالي وتعكس أناقتها الفائقة.

"تحارب كل امرأة باستمرار الأحكام المرتبطة حصراً بشكلها الخارجي لأن هذا الوضع يتحول سريعاً إلى عبء ثقيل كونه يتأثر بنظرة الآخرين وآرائهم. الجمال عابر ولا يمكن الحفاظ عليه مع مرور الوقت. إنه أشبه بالفراشة التي تعيش للحظات خاطفة! لإعطاء قيمة ومعنى لحياتنا إذاً، لا يمكن الاتكال على الجمال"...

في المقابل، تتّسم بورتمان بحيوية دائمة ولا تقوم بأي خيارات سهلة، لا في التمثيل ولا في مبادراتها الاجتماعية. اختارت أن تكون نباتية جزئياً منذ صغرها، وأصبحت الآن نباتية بالكامل. كما أنها أنتجت ورَوَت فيلماً وثائقياً قوياً عن أهوال المزارع الصناعية بعنوان Eating Animals (أكل الحيوانات)، وهومقتبس من كتاب جوناثان سفران فوير الذي يحمل الاسم نفسه.على صعيد آخر، تدافع بورتمان منذ فترة طويلة عن القضايا البيئية، وشاركت في حملات لدعم حقوق المرأة وحركة "تايمز آب" (انتهى الوقت). وفي السنة الماضية، خلال "مسيرة النساء" في لوس أنجليس، ألقت خطاباً تَصِف فيه "الإرهاب الجنسي" الذي تعرّضت له حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها، عند صدور أول فيلم لها.عند التكلم عن هذا الموضوع، تُحوّل السؤال سريعاً نحو تجارب الآخرين: "للأسف، تختبر الفتيات أحياناً تجارب أسوأ بكثير، فيتعرّضن لعنف حقيقي"! لكنها توافق على أهمية استعمال مكانتها لرفع الصوت، فتقتبس أجزاءً من كتاب ريبيكا ترايستر،Good and Mad:The Revolutionary Power of Women’s Anger (الخير والجنون: القوة الثورية لغضب النساء): "تتعلم المرأة ألا تغضب، لأن الغضب صاخب وهستيري وبشع. لكنّ الغضب فعلياً طريقة لمنع الآخرين من إسكاتنا وللتعبير عن أنفسنا. الغضب طريقة لتبادل الإشارات وحماية بعضنا البعض. حين نغضب إذاً ونتكلم عما يُغضبنا، ستتمكن نساء أخريات من سماعنا".


مشهد من Lucy in the sky


كانت بورتمان غاضبة بكل وضوح حين اعتبرت الموسيقي موبي "مريباً" لأنه ادعى في مذكراته الأخيرة أنه كان يواعدها. فعبّرت عن استيائها خلال مقابلة مع موقع مجلة "هاربرز بازار" في شهر أيار، وكان غضبها قوياً لدرجة أنه عاد واعتذر وألغى جولته الترويجية للكتاب (كانت قد بلغت 18 عاماً للتو حين تقابلا في أحد عروضه وكان عمره حينها 33 عاماً. لكنه كتب أنها كانت في العشرين من عمرها. أرادت بورتمان تصحيح الوقائع ثم تجاوزت الموضوع بعد تحقيق هدفها). تتكلم الممثلة بناءً على تجاربها الخاصة حين تَصِف ما يحصل عندما تكبت المرأة غضبها وتذرف الدموع: "اعتدنا في المجتمع على نفي شعور الغضب واعتباره نوعاً من الحزن أو الاستياء. حين أدركتُ ذلك، حصل تحوّل مفاجئ في عقلي فقلتُ في نفسي: "يا إلهي! في كل مرة انفجرتُ فيها بالبكاء... كنت في الحقيقة غاضبة!". لم أكن أجيد التعبير عن شعوري بكل بساطة"!

ربما تجيد ناتالي التعبير عن غضبها الآن، لكنها تبدو سعيدة أيضاً لأنها وجدت مجموعة داعمة من النساء: "لقد تأثرتُ بنساء كثيرات قابلتهنّ خلال حركة "تايمز آب"، مثل ريز ويذرسبون، وأميركا فيريرا، وكيري واشنطن. تقوم كل واحدة منهنّ بعمل إبداعي مبهر في مجالات الإنتاج والتمثيل والإخراج وتعتني في الوقت نفسه بعائلتها. هنّ ناشطات مُلهِمات ومن أفضل الصديقات أيضاً. كلما أشعر بأن أعبائي تزداد،أراقب إنجازاتهنّ وأدرك أنني أستطيع بذل جهود إضافية".

قد يوحي تكثيف الجهود بتنفيذ أعمال شاقة، على غرار التدريبات الجسدية المنهِكة والمطوّلة التي خاضتها بورتمان قبل تصويرBlack Swan. لكن بغض النظر عن المهام التي تستهلك وقتها وطاقتها، إلا أنها تحافظ على إشراقتها وحيويتها بعد إنهاء مشروعها الجديد Lucy in Sky (لوسي في السماء)، حيث تؤدي دور رائدة فضاء تخرج عن السيطرة حين تعود إلى كوكب الأرض بعد مهمة طويلة في الفضاء. الفيلم من إنتاج ريز ويذرسبون ومن المتوقع أن يصدر في أواخر هذه السنة. استناداً إلى الإعلان الترويجي، يبدو أن العمل يعطي بورتمان فرصة جديدة لأداء شخصية مختلفة تماماً عن حياتها الحقيقية كأم لولدَين صغيرَين: "أشعر بالغرابة حين أذهب للعمل وأدّعي أنني أم لطفل ليس ابني. لذا أحاول تجسيد شخصيات غريبة مثل رواد الفضاء أو نجوم البوب".

على صعيد آخر، تحرص بورتمان على خوض تجربة الإخراج مجدداً، وبدأت الآن بكتابة سيناريو فيلم: "بدأتُ العمل بوتيرة بطيئة. كما تعلمون، يجب أن آخذ الولدَين إلى الفراش وأنظف الأطباق وأغسل الملابس ثم أكتب لساعة. إنه نمط...". توقفت عن الكلام لبرهة وكأنها تبحث عن الكلمة المناسبة. فاقترحنا عليها: "نمط منضبط"؟ لكنها عارضت وقالت: "بل نمط ممتع"! ربما تبدو طريقة بورتمان في استكشاف مختلف أدوات التعبير عن الذات، سواء عبر الكتابة أو الإخراج أو المبادرات الاجتماعية، معاكسة جداً للانضباط المرافق للصمت. لكنها تعترف شخصياً بأنها تعلمت في بداية مسيرتها قواعد عن التزام الصمت والأناقة والحفاظ على الخصوصية. لكن بفضل حركة "تايمز آب" ودعم صديقاتها، يبدو أن ناتالي بورتمان تدرك اليوم متعة أن يكتشف الشخص صوته الحقيقي وقوة تأثيره. لا شك في أننا نتوق جميعاً إلى سماع صوتها في مناسبات إضافية...