رفيق خوري

نحن ونصيحة خروشوف والصيغة الإنكليزية القديمة

دقيقتان للقراءة

يروي الرئيس نيكسون أن الزعيم السوفياتي خروشوف أعطاه نصيحة معبرة جدًا عن ألعاب السلطة. قال الحاكم باسم حزب شيوعي يعتمد "المادية التاريخية" لمن كان يومها نائبًا للرئيس أيزنهاور: "إذا تصور الشعب وجود نهر خيالي، فلا تقل إنه ليس هناك نهر، بل تحدث عن مشروع لبناء جسر فوق النهر". ومن النكات السياسية التي شاعت في سنوات الركود والإستنقاع خلال حكم بريجنيف الطويل أن الزعيم الجالس في قطار متوقف طبّق نصيحة تقول: "أسدل الستار، وتصرّف كأن القطار يسير".

وما نخشاه هو أن نكون في مثل تلك الأحوال وأن يتلقى أهل السياسة نصائح مشابهة. فالبلد متوقف وفي خطر عظيم، والسلطة العاجزة عن مواجهة ما يضعنا في قلب الخطر توحي أن كل شيء يسير كالساعة بمعجزة صنعها الإتصال بعواصم العالم. والناس التي يدفعها البؤس واليأس إلى تصور نهر خيالي من الدولارات والإستثمارات المرشحة للتدفق على لبنان، تسمع وعود المسؤولين ببناء جسور ذهبية فوق النهر تأخذنا إلى جنة على الأرض. جنة إزدهار إقتصادي بلا فساد ولا هدر ولا سرقة. وجنة تطور سياسي بلا محاصصة ولا زبائنية ولا مباريات في التفاهة والسفاهة.

ومن المهم أن يتفق أركان السلطة على 22 بندًا ضمن برنامج إصلاحي تحت ضغط الدول المانحة في "سيدر" وشركات التصنيف الإئتماني والأوضاع الداخلية المزرية. لكن الأهم هو الإنتقال من العناوين إلى البرامج العملية لفعل ما تمّ الإتفاق عليه. والأكثر أهمية هو التوقف عن التعامل مع أزمات لبنان كأنها كوارث من صنع الطبيعة. فلا إنجاز جديًا من دون تقديم جواب كامل عن سؤال: ما الذي أوصلنا إلى هذه الهوة التي نحن فيها؟ ولا إصلاح بالمعنى الحقيقي من دون جواب عن سؤال آخر: من يتحمل المسؤولية عما وصلنا إليه خلال الحرب وعقود ما بعد توقفها؟ وما الذي جرى التفاهم عليه ولم يكن ممكنًا إقراره قبل سنة أو سنتين أو عشر؟ الساعة دقت لبدء الإصلاح الجذري للأزمة البنيوية بدل محاولات "تجميل القبيح".

ذلك أن السياسة الإقتصادية الخاطئة عن قصد هي سبب الأزمة الإقتصادية والمالية العميقة. فلا حياة للسلطة من دون هدر وفساد ومحاصصة. ولا إصلاح على طريق المحاصصة. ومن علامات الأزمنة أن يتولى الذين أخذونا إلى الهوة مهمة إخراجنا منها. والأفظع هو رفض الذين يتصورون أنفسهم أنصاف آلهة الإعتراف بأي خطأ على طريقة الصيغة الإنكليزية القديمة: "الملك لا يستطيع أن يخطئ".