شربل داغر

التراث ام الماضي؟

دقيقتان للقراءة

«التراث» من الكلمات السارية، التي نقع عليها أينما كان: في كتب، في بحوث، في جامعات ومعاهد... من دون أن ندرك معناها تماما.

يعني التراث: الميراث، التركة، ما يتملكه الأبناء من الوالدين، أو من الأجداد المباشرين. غير أن معناها الثقافي الساري هو غير ذلك. لا يتصل ابدا بوالد، او بجد، اي من دون صلة قرابة مباشرة. وهو ميراث غير مادي بالواقع، اذ يعني في المعاني الثقافية ما خلفه الاسلاف من غنى وموارد روحية وثقافية وغيرها.

ما نسميه: التراث، يرد، في الفرنسية تحت مسمى (patrimoine)، بمعنى الممتلكات المتناثرة جيلاً بعد جيل في قصر، على سبيل المثال، وبات ملك الشعب بإدارة الدولة. وهو المعنى نفسه تقريبا الذي يرد في الانكليزية (heritage)... فلماذا نسمي في العربية تراثا ما هو ليس بإرث مادي، وما يعني بالتالي في معاني كلامنا؟ كان في الإمكان تسمية: التراث، بالماضي... المشرف، ما دام ان الأحفاد البعيدين يريدون التمسك به مثل زاد روحي، مثل ممتلكات ثقافية جديرة بالحفظ.

إلا انهم يحتفظون بالتراث عنوانا مزورا لعملية توارث غير قائمة، وغير ممكنة. فمجرد الكلام، أو إجراء الحسبة بين الورثة، سيوقعنا قي خلافات دموية، اقلها الفتنة الكبرى، وما تلاها، وما يتجدد اليوم بصيغ مختلفة.

يُجمعون على اسم: التراث، ويختلفون في تركته. وكلٌّ، وراء خندقه، يريد ربط الماضي به، وبالنزاع مع غيره. اقتسام التاريخ، إذا، واعادة تدوينه، حتى أن أحد الورثة بات الاول، وقبل الرسول نفسه.

تراث لأمة، إذا، لكن وفق منطق القبيلة والافخاذ والبطون، على الرغم من الحاسوب والصاروخ والفحص الجيني..

تراث، بما يبطل التاريخ، والوقائع، ويقيم العصبية المخترعة اصلا وأفقا.

تراث، بما يُخفي خروقنا، ويجعلنا ادنى من ان ندير حاضرا لنا، من دون ختم الماضي البعيد، والشرعية الموهومة.

تراث، يتم التلطي خلفه، طلبا للغلبة على الغير، الأقربين قبل الابعدين. والغلبة تعني وضع اليد، والتسيد، ولا تعني القراءة والتأمل واستخراج العبر بالضرورة.

هكذا يحصرون تاريخا واسعا، متعددا، مختلفا، متقلبا، في: تراث، فيما يطلبون من اللفظ امتلاك الغير وتبديد ماضيه... والظريف في لفظ: التراث، أنه حمل هذا المعنى الثقافي المستجد عند كتاب «عينوا» أنفسهم فلاسفة ومفكرين، فيما لم يفعلوا واقعا سوى تقليد ما كان يفعله هذا الخليفة او هذا السلطان، وهو انه: وارث شرعية الإسلام.