جان م صدقه

بابلو بيكاسّو الملحد الذي أعادته لوحات الصلب إلى حضن الكاثوليكيّة؟

8 نيسان 2021

02 : 00

لوحة "الحياة في الموت" وفيها رسم بيكاسّو السيّد المسيح بالأبيض والأسود وسط محيط ملوّن

إستوحى بابلو بيكاسّو (1881 – 1973)، الملحد الملتزم، صور آلام السيّد المسيح من لوحات الصلب العديدة في القرن السادس عشر، فابتكر على طريقته السرياليّة التكعيبيّة العديد من الرسومات التخطيطيّة للصلب بين نهاية عشرينات القرن العشرين ومطلع ثلاثينيّاته. ويعتبر العديد من النقّاد أنّ التمثيل العاطفيّ للمعاناة التي تظهر في لوحة "الحياة في الموت" هو تمهيد لرائعته "غيرنيكا" (Guernica) التي رسمها في باريس عام1937، وهي ‏جداريّة استوحاها من مأساة مدينة غرنيكا في إقليم الباسك حين قصفت طائرات الحلفاء المدينة في 26 نيسان 1937 خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة، وقد باتت من اللوحات الأكثر شهرة في العالم. وهي معروضة حاليّاً في متحف مركز الملكة صوفيا الوطني للفنــون "Museo Nacional Centro de Arte Regina Sofia" في مدريد.

يُعدّ بابلو بيكاسّو أكثر من أعظم فنّان في القرن العشرين. كان أيضاً أحد أشهر الملحدين الملتزمين فيه، وقد صُنّف على أنّه "فنّان شيوعيّ وعدوّ الله".

على الرغم من ذلك، هناك موضوع واحد يبدو أنّه يظهر وجهاً مختلفاً له. على مرّ السنين، رسم بيكاسو حوالى 50 مشهداً للصلب. لم يكن هذا كثيراً بالنسبة لرجل ابتكر أكثر من 20000 عمل في حياته. المثير للفضول هو أنّه لم يرسم موضوعات دينيّة أخرى. الاستثناء الوحيد هو إحدى لوحاته الأولى: فتاة صغيرة- ربّما أخته- في أوّل مناولة مقدّسة لها. خلاف ذلك، كلّ لوحاته الدينيّة تدور حول آلام المسيح. فهل يمكن أن يكون إيمان بيكاسّو قد تحرّك بهدوء بفعل أحداث الجلجلة رافضاً أيّ احتمال بأن يكون قد عاد إلى الكاثوليكيّة؟ وهل يمكن أنّ الصحوة الدينيّة قد حصلت في 1932 لدى زيارته سويسرا لإلقاء نظرة على مذبح كنيسة إيزنهايم "Isenheim"، والهدف التأمّل في لوحة الصلب التي رسمها ماتياس جرونوالد Matthias" Gruenewald (1470 – 1528)" في أوائل القرن السادس عشر؟ وقد تساءل النقّاد إذا ما كان بيكاسّو قد وجد الإحساس بالفداء أمام تلك اللوحة؟

لعلّ المؤشّر الآخر الوحيد على رغبة بيكاسّو في أن يتمّ قبوله ككاثوليكيّ مرّة أخرى هو شهادة كاهن صديق بعد سنوات عديدة. ويبدو أنّ بيكاسّو، في السابعة والسبعين من عمره، أخبر الكاهن أنّه يرغب أن يقيم حفل زفافه في الكنيسة وأن يُدفن في كاتدرائيّة ملقة "Malaga". لكن لم يحدث أيّ أمر من ذلك.

بعد حوالى 90 عاماً من رسمها، لا تزال لوحة "الحياة في الموت" تمثّل سرداً مرئيّاً قويّاً للمعاناة اللاإنسانيّة التي تحمّلها يسوع المسيح في أثناء صلبه. وربّما بسبب مشاركته العاطفيّة فيها، لم يبع بيكاسّو هذه اللوحة أبداً. لكنّها ظهرت في المجموعة الدائمة لمتحف بيكاسّو في باريس، فرنسا.

على الأقلّ، لا يزال العالم يملك رسومات بيكاسّو حول الصلب، والأمل في أنّه ربّما كان أقلّ أنانيّة ممّا صوّر نفسه.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.