مريم مجدولين لحام

"فليبدأ التدقيق الجنائي من إدارة المناقصات ومن البواخر ومكتب وزير الطاقة"

جان العلّية: لست مكهرباً من "التيار" .. أتكهرب من مخالفة القانون

17 نيسان 2021

02 : 01

جان العلّية

يتجرّع لبنان اليوم مرارة الإنهيار لأسباب متعددة، أهمها إبرام التعاقدات وصفقات التراضي العمومية في قطاع الكهرباء ومؤسسته المتنصلة من الرقابة، والتي اتبعت لسنوات إجراءات "مشبوهة" في إطار الحصحصة المالية بالتزامن مع "وعود بكهرباء 24/‏24"، وخطة "خلنج" سرعان ما تحوّلت إلى شعار "ما خلّونا". وهو، ما لم يعزز سوى الرواية المصطنعة بأن أي مشروع جاد ولصالح الشعب، لا بد وأن يتعرّض، لتقلّبات سياسية متزايدة، وأن اقتصاد لبنان الوطني غير مستقر لدرجة لا تسمح بجذب الاستثمارات الناجحة.

طبعة جديدة ومنقّحة من "الإبراء المستحيل" تشهدها البلاد في حملة المطالبات الصّورية بـ"التدقيق الجنائي"، والتي بادر تماشياً مع شعاراتها الرنانة، رئيس دائرة المناقصات الدكتور جان العلّية بفتح يد التعاون والمطالبة الفعلية ببدء التدقيق المحاسبي الجنائي، انطلاقاً من دائرته لتشمل كل الصفقات العمومية التي جرت بإشرافها ورقابتها والصفقات التي جرت من خارجها (بما في ذلك العقود الرضائية واستدراجات العروض وغيرها)، مُسلّماً 86 مستنداً ملغوماً بالكوارث ويثبت كماً هائلاً من المخالفات، كنوع من التعاون مع السلطات الإجرائية بشكل يفضح أول ما يفضح "مغارة مؤسسة الكهرباء والـ40 حرامي" مانحاً الشعب الذي يسمع الوعود ولا يرى الأفعال، أفضلية الشك بصحة المطالبات الوجدانية المتكررة على مسامعه بلا جدوى... فهل سيتحرّك الملف أم سيحارب "التيار الوطني الحر"، أول المطالبين بالتدقيق، العليّة ويصادقون بالتالي على صواب الحقيقة المسلّم بها من دون نقاش بأن "وعودهم هشة"، وتقف عند المصرف المركزي دون غيره من الإدارات والمؤسسات والقطاعات والمرافق العامة؟

العلّية:"فتبيّنوا"!

بهدف تنقية الموروث السياسي من الخرافات، وبما أن خيار وزراء الطاقة يدور في فلك "المطالبة بالتدقيق الجنائي" واتهام رئيس دائرة المناقصات جان العلّية تارةً بالشبهات والتزوير وطوراً بالطموح إلى مناصب، إختار العليّة الرد على الوزيرين جورج عطالله وسيزار أبي خليل وأخيراً النائب ماريو عون عبر "نداء الوطن" بكلمة واحدة وهي "فَتبيّنوا". بعدها استفاض بالمطالبة بالتدقيق في إدارته التي، إن كانوا على ثقة بنبأ فسادها، لن يكون اجراء التدقيق سوى لصالح كشفهم له! وتابع: "إن كنتم واثقين بفسادي وتزويري وزبائنيّتي، أقرنوا اتهاماتكم بأفعال، دققوا في إدارتي وأثبتوا ما تزعمون من إدانات لي وليحاسبني القضاء أو يُنصفني! أما أن تستمر سيمفونية الظنون بلا اثباتات فهو باطل. كما أن رفضكم للذهاب إلى التدقيق بدءاً من إدارة المناقصة، لا يُشير إلا لمخاوف مما سيتم اثباته قضائياً عليكم. كل ما أطالبكم به اليوم هو تحويل أقوالكم وشعاراتكم إلى إطار عملي يبدأ من حيث تشتبهون فساداً".

ويتابع: "أما لماريو عون تحديداً أقول "من المعيب أن تتهم أي جهة (سياسية كانت أم غيره) بتحريكي، بعد أن فشلت جميع محاولاتكم كـ"تيار وطني حر" بتحريكي لسنوات. وأنا لا أتحرك سوى بدافع من ضميري وأحكام وظيفتي التي أحترم" و"الموضوع ليس أنني "مكهرب" من التيار، بل "أتكهرب" من مخالفة القوانين. وعليه من المفترض عليكم، كـ"تيار وطني حر"، البدء بالمطالبة بالتدقيق الجنائي الشامل على إدارة المناقصات ومن ضمنه، تحديد المسؤوليات عن المخالفات والانحرافات القانونية والإدارية كما تحديد الآثار الناجمة عن هذه الارتكابات على الصعيد المالي والبيئي والاقتصادي والاجتماعي. ومن ثم إلزام مسببي الضرر للخزينة والاقتصاد، كما مسببي التلوث للبيئة والإنسان، بالتعويض من مالهم الخاص، إعمالًا لقواعد المسؤولية " Le principe pollueur/‏payeur OECD 1972". ناهيك عن التطبيق الكامل للمادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي تلزم الوزير بتسديد قيمة الهدر من ماله الخاص، وإصدار أوامر التحصيل اللازمة من قبل وزارة المالية عند الاقتضاء.

المستندات جازمة

كان قانون المحاسبة العمومية تجسيداً رائعاً لليقظة المالية للدولة، إلا أنه قلّما استُخدم بلا ضغوطات بحيث كلّ وزارة أو إدارة عامة "تغني على ليلاها"، من دون العودة إلى إدارة المناقصات وطريق المشاريع "آمنة وسالكة" لتركيب الصفقات. والمستندات التي قدمها العلّية لـ"نداء الوطن" تصعب الإحاطة بتفاصيلها في تقرير واحد، وقد استُخدمت باستمرار لتأبيد سيطرة "التيار" على الصفقات.

وتشمل هذه الصفقات صفقة بواخر الكهرباء التي بدأت عام 2012-2013، بمكاتب وزير الطاقة بدون علم الجريدة الرسمية، ثم ما لبثت أن استعانت الوزارة باستشاري عالمي "غب الطلب" لكي يُخرج لها إلى النور العارض الوحيد ملتزماً. إلا أن هذا الإستشاري تهيّب الموقف وارتاب منه وما كان منه إلا أن هرب اضطرارياً من سُفنها. فلجأوا إلى مجلس الوزراء لإرسالها لإدارة المناقصات مع طلب ولادة قيصرية مخالفة للقانون وإصرار وتأكيد لأكثر من مرة. ولكن، بعد مراجعة التفاصيل، أعادت إدارة المناقصات الصفقة إلى الوزارة لأكثر من 3 مرات لانطباقها على عارض وحيد فقط ما يجعلها اتفاقاً رضائياً بقناع المناقصة. وتجدر الإشارة إلى أن مناقصة بواخر الطاقة لعام 2012-2013 التي كانت الوزراة قد نجحت في تمريرها من خارج إدارة المناقصات بتغطية من مجلس الوزراء، كانت مخالفة لأحكام الدستور والقانون والأصول الإدارية، واللافت أن هيئة التفتيش المركزي قد أصدرت التوصية رقم 87 على 2013، التي تضمنت إشارة إلى العيوب والثغرات في العقد الموقع مع شركة karpowership من النواحي التقنية والإدارية والقانونية. بعدها عادت وأعلنت الوزارة، عن نفس الصفقة في العام 2017 من دون أن تأخذ بحرف واحد من توصية هيئة التفتيش المركزي، ومن دون أن تُسأل من قبل أي جهة برلمانية أو قضائية عن سبب تجاوز هذه المؤسسة الرقابية وتجاهلها!

أما في صفقات الفيول، فبحسب العلّية، بدأت منذ العام 2005 بموجب اتفاقات رضائية من دون المرور بإدارة المناقصات ليعودوا في العام 2017 عبر قرار من مجلس الوزراء رقم 42 تاريخ 2/‏11/‏2017؛ إلى إدارة المناقصات إلا أن الوزارة ماطلت أكثر من 10 أشهر ولم ترسل الصفقة إلى إدارة المناقصات إلا بتاريخ 10/‏10/‏2018 لطلب إبداء الرأي، "وليس إجراء مناقصة" في دفتر شروط صفقة احتكارية بامتياز، وشروط فنية مبالغ بها، وشروط إدارية لا تنطبق إلا على تحالف عدة شركات كبيرة ما يؤدي إلى خلق احتكار، وبالتالي أعادت إدارة المناقصات دفتر الشروط إلى الوزارة لتصحيحه ليصبح منطبقاً على قانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات. بعدها، كان أداء الوزارة مماطلاً، بحيث يغيبون لمدة أشهر ثم يرسلون دفتر الشروط مع الأخذ بجزء غير مهم من تعديلات إدارة المناقصات. تماماً كمن يناور ويريد تمرير الوقت ولا اجراء مناقصة!... واستمر الأمر على هذا المنوال إلى حين اطلقت المناقصة التي ستجري في 19 نيسان 2021 (أي الإثنين المقبل)، وذلك بعد أن أخذ الوزير ريمون غجر بكامل ملاحظات إدارة المناقصات التي كان قد رفضها الوزير سيزار أبي خليل والوزيرة ندى البستاني، ما يطرح أكثر من علامة استفهام عن أسباب رفضهما الأخذ بالتعديلات القانونية المقترحة سابقاً. وما الذي دفع بغجر إلى الأخذ بها وهو ما يُعتبر انجازاً غير مسبوقاً وإدانة مباشرة للوزيرين أبي خليل والبستاني.

وفي السياق ذاته، تحدث العلية عن مناقصة بناء معامل الطاقة بطريقة BOT والالتفاف على القانون رقم 129 تاريخ 04 نيسان 2019، والتي ألغى المجلس الدستوري لاحقاً استثناءها من الرقابة لتصبح خاضعةً بالكامل لقانون المحاسبة العمومية ونظام المناقصات، وتالياً لرقابة إدارة المناقصات في التفتيش المركزي.

وشرح العلية: "كان المجلس الدستوري قد أخضعها بالكامل لنظام المناقصات، إلا أنها في الواقع لم تخضع نتيجة إصرار الوزارة على تصنيف شركات أجنبية وإعطائها موافقة من خلال هذا التصنيف على الدخول في المناقصة التي ستجري في إدارة المناقصات. أي ان الوزارة أرادت التحكم مسبقاً بمسار الصفقة واستبعاد من لا تريده من الشركات قبل وصولها إلى إدارة المناقصات، ومن جهة أخرى أصرت الوزارة على تفخيخ المناقصة بترجيح الحل الموقت، أي البواخر، على الحل الدائم، أي بناء المصانع، ورفضت الوزيرة ندى البستاني، انطلاقاً من صلاحياتها الدستورية كما قالت، حلاً متكاملاً كان قد أعدّه فريق خبراء من الإتحاد الأوروبي استعانت بهم إدارة المناقصات، ويقوم على تأمين طاقة مستدامة بمقدار 1800 ميغاوات بدل من 1500 بعد 3 سنوات، ويوفر مليار دولار أميركي مقارنة مع المشروع المعد من الوزارة ويستجيب أكثر للاعتبارات البيئية والاقتصادية".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.