يصطدم الماضي بالحاضر في فيلم Catch a Fire (القبض على النار) الذي يروي قصة رجل اعتُبِر مناضلاً في سبيل الحرية من جهة وإرهابياً من جهة أخرى. انطلاقاً من سيناريو شون سلوفو، يعرض المخرج فيليب نويس المحنة التي واجهها "باتريك شاموسو"، وهو رجل أسود عادي من جنوب أفريقيا، بعد اتهامه ظلماً بارتكاب جرائم ضد الحكومة العنصرية في بداية فترة الثمانينات، قبل أن يصبح عنصراً من جنود المشاة في الحرب ضد التمييز العنصري. يحاول هذا الفيلم أن يطرح قصة مستوحاة من عناوين الأخبار المعاصرة، لكنه يفتقر إلى التماسك في لحظات كثيرة.
يجسّد الممثل الأميركي الجذاب ديريك لوك (اشتهر بدور الولد التعيس في فيلم Antwone Fisher) شخصية "باتريك"، وهو رب أسرة يعمل كرئيس عمال في منشأة لتكرير الوقود على بُعد 80 ميلاً من جنوب شرق مدينة "جوهانسبرغ". لا يهتم "باتريك" بالسياسة ويحاول التوافق مع أرباب عمله البيض وزملائه السود، ويكسب راتباً كافياً لإعالة ابنتَيه وحماته الكتومة وزوجته الفاضلة "بريشوس" (بوني هينا)، وهي امرأة جميلة تطمح بكل بساطة إلى تغيير المفروشات في منزلها الصغير. حين يوقف جنود بيض هذه العائلة على طريق سريع مُغبِر للبحث عن المخربين، يرفع "باتريك" يديه سريعاً في إشارة منه إلى موافقته على ما يحصل. هو يعتبر التعاون مرادفاً للبقاء على قيد الحياة، حتى لو كانت الطريقة المعتمدة مُجرّدة من الإنسانية.
سرعان ما يغيّر توجهاته غداة هجوم إحدى العصابات على المنشأة التي يعمل فيها. تعتقل الشرطة "باتريك" مع عاملَين آخرين ويقود الكولونيل الوحشي "نيك فوس" (تيم روبنز) هذه العملية. يُتَّهم "باتريك" بالتجسس ويتعرض لتعذيب شديد. برأي شخص مثل "فوس" الذي يتمسك بولائه للنظام العنصري لدرجة أن يُقدّسه، يُعتبر لون بشرة "باتريك" كافياً لإدانته. لكن يتخذ "باتريك" قرار متابعة النضال وتزيد قسوة قلبه حين يحاول المحققون إجباره على الاعتراف عبر استعمال أساليب همجية ينقلها المخرج نويس على الشاشة بتفاصيل دقيقة. تكون حالة هذا الرجل الذي يبقى معصوب العينين ويتعرض لأسوأ أنواع التعذيب ولا يُحاكَم رسمياً مشابهة لوضع الضحايا في دياره.
يحمل فيلم Catch a Fire جميع العناصر اللازمة لتقديم قصة آسرة. بعدما تطلق الشرطة سراح "باتريك" بفترة قصيرة، يصل هذا الأخير إلى الموزمبيق المجاورة ثم يتوجه إلى أنغولا حيث ينشد أغاني الحرية بدعمٍ من "المؤتمر الوطني الأفريقي". حتى أنه يتعلم السير في مكانه وينشد أغنية "اقتلوا جنود بوير!" إلى جانب مقاتلين آخرين يناهضون التمييز العنصري. كان تسارع هذه الموسيقى النابضة وأحقية قضية محاربة التمييز العنصري ليزيدا الزخم الثوري للأحداث لولا ضعف المعطيات السياسية الطاغية على الفيلم ورداءة المونتاج الذي يجبر المشاهدين أحياناً على الخروج من أجواء القصة والتفكير بمسائل خارج سياق الأحداث. قد نتساءل مثلاً: ماذا لو استُبدِلت كلمة "بوير" بالأميركيين؟
يسهل أن تتكرر هذه التساؤلات الشائكة على مر الفيلم لأنه يفشل في التعمق بتفاصيل قصة "باتريك" أو توضيح ظروف جنوب أفريقيا من جهة، ولأن صانعي الفيلم لا يثقون على ما يبدو بقدرة المشاهدين على التمييز بين الصالحين والأشرار في هذه القصة من جهة أخرى. إنه تفسير منطقي على الأقل لما يحصل في المشهد الذي يعلن فيه أحد أعضاء "المؤتمر الوطني الأفريقي": "نحن لا نقتل عشوائياً"! تتكرر الرسالة نفسها تقريباً حين يلفّ "باتريك" نفسه بحزام من المتفجرات للقيام بالمهمة الموكلة إليه خدمةً لهذه القضية.
تتراوح أعمال المخرج فيليب نويس بين أفلام عادية مثل The Bone Collector (جامع العظام) ومشاريع عميقة مثل The Quiet American (الأميركي الهادئ). هو يجيد الحفاظ على أعلى مستويات التشويق. لكنّ مشاهد الحركة في فيلم Catch a Fire تبدو جامدة أكثر من اللزوم، وهي تتسارع بوتيرة عشوائية لدرجة أن تعيق المشاهد من التطور بطريقة سلسة ومقنعة. نتيجةً لذلك، تبدو معظم اللقطات أشبه بإعلانات فيلم لن يبصر النور يوماً، وكأن أحد المسؤولين عنه حاول حل مشكلة معينة في المونتاج لكنه نَسِي أن يأخذ استراحة بين تقطيع المشاهد. قد يقتصر دور لوك وروبنز على بعض الإيماءات والحركات المحددة، لكنّ أداءهما يوحي بقصة لافتة أكثر من تلك المعروضة على الشاشة، مع أن طريقة تقطيع المشاهد التي تجمع بينهما كفيلة بتفكيك الفيلم.