الحقيقة كما هي في قضية الفاخوري بعيداً من "نظرية المؤامرة"

5 دقائق للقراءة
الفاخوري

لماذا استهداف القيادات العسكرية والامنية وتشويه صورتها عبر جيش الكتروني شيطاني؟

اعتاد اللبنانيون "نظرية المؤامرة" عند كل قضية أو حادثة، فتبدأ السيناريوهات تُحبك وفق تمنيات، أكثر ما تدل على حالة الفراغ التي صار يعيشها اللبناني نتيجة هزالة أو خواء الحياة السياسية. واعتادت المؤسسة العسكرية كما الأجهزة الأمنية، على تلقّي موبقات السياسيين بصدرها، نتيجة الخطايا المميتة التي يرتكبونها والقرارات الانفعالية المصلحية التي يصدرونها، من دون الوقوف عند رأي أهل الاختصاص، لا سيما في الملفات الأمنية والعسكرية.

وجاءت قصة العميل عامر الياس الفاخوري "شحمة على فطيرة" بعض المتربصين بالمؤسسة العسكرية وقيادتها، وبدأت عملية ضخ مبرمجة وواضحة في استهدافاتها، وفجأة تحوّل الابطال في الجيش إلى شركاء للعملاء، وتحوّل من هزم الارهاب في معركة "فجر الجرود" إلى متآمر على الوطن، مما يثبت الإصرار والتصميم على تشويه صورة القيادات العسكرية والأمنية وسمعتها، تمهيداً لفتنة في البلد، غير معلوم ما يدور في العقول الشيطانية لمحرّكيها، والا لماذا استحضار ونبش صورة لقائد الجيش العماد جوزيف عون، والى جانبه الفاخوري في احتفال السفارة اللبنانية في واشنطن على شرفه، والتي عادة ما يتدافع الحضور الى اخذ صور تذكارية معه وهو لا يعرف الأغلب منهم؟ ولماذا تعمُّد وضع صورة مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد الركن طوني منصور على خبر انتشر كالنار في الهشيم حول مرافقة العميد الياس يوسف للمدعو الفاخوري، الى الامن العام للايحاء بمسؤولية ما للعميد منصور؟ علماً أن معلومات "نداء الوطن" تؤكد ان قائد الجيش ومدير المخابرات كان قرارهما الحاسم بأن الضابط يوسف سيحاسب، والقيادة غير مسؤولة عن تصرف فردي على خلفية رابط القرابة بين زوجة الضابط والفاخوري، ولا خلفيات مؤامراتية لما حصل، وتكبير الامور واخذها باتجاه شعبوي يستبطنان نيات سيئة ضد المؤسسات التي اثبتت نجاحها وحياديتها عن اي موقع او موقف سياسي.

ولمن تخونه الذاكرة يكفي التذكير بالوقائع التالية:

قيادة الجيش تعمّم أسماء الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم مهمة تمسّ بأمن الدولة (التعامل مع العدو – الإرهاب...) على بلاغ الإخضاع 303 وهو تدبير معتمد منذ سنوات عدة، ولكن في 24/7/2014 صدر قرار عن مجلس الوزراء رقم 10 ألغى بموجبه وثائق الإتصال ولوائح الإخضاع المشار اليها أعلاه على أن تتشكل لجنة من وزراء الدفاع، الداخلية والبلديات، والعدل لإقتراح مشروع تنظيم تلك الإجراءات، وبناءً على قرار مجلس الوزراء، أصدرت النيابة العامة التمييزية التعميم رقم 62/ص/2014 أسقطت فيه كل وثائق الإتصال وبلاغات الإخضاع الصادرة عن الأجهزة الأمنية كافة، ولكن في ظل عدم تشكيل اللجنة الوزارية، استمرت التدابير المتخذة الى حين تشكيلها، لأسباب أمنية بحتة (الامن القومي اللبناني)، وفي ذلك اعلى درجات المسؤولية الوطنية لدى قيادة الجيش المنوط بها السهر على حماية الوطن وامن المواطنين. وفي 10/1/2017، صدر قرار يحمل الرقم 6 عن رئاسة مجلس الوزراء– الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع تضمن في بنده السادس وضع تقرير حول تبويب وثائق الإتصال (تخفيف الوثائق قدر الإمكان).واستنادا الى هذا القرار، درست قيادة الجيش – مديرية المخابرات ملفات الأشخاص المطلوبين من بينهم الذين انتموا سابقاً الى ميليشيا لحد، حيث اعتُمدت معايير معينة لشطب أسمائهم عن تلك البلاغات، على أن يتقدم صاحب العلاقة لدى دخوله الأراضي اللبنانية من مديرية المخابرات لإجراء اللازم بشأنه وترك الشق القضائي على عاتق القضاء المختص لبتّ مصيره. وهذا يعني بصريح العبارة ان شطب الاسم عن بلاغات 303 لا يعني تبرئة اي شخص، لكنه سيخضع حكماً الى الاستجواب والتحقيق عند قدومه الى لبنان، ويُحال مع الملف الى القضاء المختص لاصدار القرار النهائي بحقه، وحتى في هذه المسألة احتاطت قيادة الجيش – مديرية المخابرات الى ابعد الحدود وايضاً لأسباب تتصل بالامن القومي اللبناني.

اما الفاخوري، فقد ترك "ميليشيا لحد" خلال العام 1998 ودخل بلاد العدو وسافر منها مباشرة الى أميركا من دون ان يقيم فيها. لكن في ظل توافر معلومات لدى مديرية المخابرات بأن الفاخوري كان أحد مسؤولي معتقل الخيام، وفي ظل تعذّر تأكيد المعطيات ومعرفة حيثيّات الموضوع وهو خارج البلاد، كان لا بدّ من إيجاد آلية تسمح له بالدخول الى لبنان ليُصار إلى توقيفه والتحقيق معه. وبناءً عليه، شُطب اسمه عن البرقية 303 خلال نيسان 2017.

ولمن يستعصي عليهم الفهم، شطب اسم او اسماء عن لوائح 303 في كثير من الاحيان يكون بهدف تشجيع هؤلاء للعودة الى لبنان بحيث يتم استجوابهم لجلاء الحقائق الغامضة او المغيبة نتيجة عدم توفر معلومات كاملة ووافية، وعدم الاكتفاء بما يرويه هذا او ذاك. وفي 19/7/2018 قدّم وكيل المذكور طلب إسترداد مذكرة توقيف غيابية بحق موكّله لدى قاضي التحقيق الأول في النبطية، وفي 3/8/2018 صدر قرار بحقه قضى بسقوط الحكم الغيابي لمرور الزمن العشري، وأُبلغ القرار لكل من المديرية العامة للأمن العام والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

كل هذه الوقائع تؤكد بما لا يقبل الشك، حرص القيادة العسكرية على الامن القومي اللبناني، وقد استمرّت، رغم عدم توافر غطاء سياسي، في متابعة ملف العملاء المدرجين على لوائح 303 في حين ان القرار السياسي كان واضحاً عن مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الاعلى بإسقاط هذه اللوائح ووثائق الاتصال.