جاد حداد

الطفولة المضطربة مضرّة للقلب

21 أيار 2021

02 : 00

يبدو أن تجارب الطفولة الصادمة تعطي آثاراً طويلة الأمد على صحة قلبك فقد استنتجت مراجعة نشرها موقع مجلة "جاما" لأمراض القلب في 2 كانون الأول 2020 أن الراشدين المصابين بعدد من تجارب الطفولة السلبية، مثل الإهمال، والاستغلال الجسدي أو الجنسي أو العاطفي، أو مظاهر العنف في المنزل، قد يصبحون أكثر عرضة بمرتين لأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة المبكرة مقارنةً بمن لا يختبرون هذه التجارب المؤذية.

هذه النتائج ليست مفاجئة برأي جيل غولدستاين، أستاذة في العلاج النفسي والطب في جامعة "هارفارد". سبق وكشفت الأبحاث روابط قوية بين تجارب الطفولة الصادمة والإصابة بمشاكل نفسية. ينجم هذا الرابط على الأرجح عن آثار الضغط النفسي على الجسم.

توضح غولدستاين، وهي المديرة التنفيذية في "مركز الابتكار حول الاختلافات الجنسية في الطب" في مستشفى "ماساتشوستس" العام: "يؤثر الضغط النفسي على جميع الأمراض المزمنة التي نعرفها، وقد برز رابط بين الأحداث العصيبة التي نختبرها في طفولتنا وجميع أنواع الاضطرابات، بما في ذلك الاكتئاب، والذهان، ومشاكل نفسية أخرى، وأمراض القلب والأوعية الدموية. الطفولة مرحلة أساسية جداً من النمو. وحين تنشأ تجارب سلبية في هذه المرحلة، قد تعطي آثاراً طويلة الأمد على أنظمة الجسم، بما في ذلك الجهاز الوعائي".

الضغط النفسي في الطفولة وأمراض القلبرصدت دراسات عدة رابطاً بين تجارب الطفولة السلبية وأمراض القلب والأوعية الدموية. لاحظت الأبحاث المنشورة منذ أكثر من عشرين سنة زيادة في مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والجلطات الدماغية لدى من يختبرون أربع تجارب سلبية على الأقل خلال الطفولة.

قد تعطي هذه التجارب آثاراً مختلفة على الجسم، بحسب قوة الحدث أو طريقة التعامل معه.

عوامل خطر محتملة

في المراجعة التي نشرها موقع مجلة "جاما" لأمراض القلب، حدد الباحثون ثلاثة أسباب أساسية لتفسير ارتباط أحداث الطفولة المزعجة بالمشاكل القلبية والوعائية مستقبلاً.

التغيرات السلوكية المشتقة من الصدمات: تكون هذه الأحداث صادمة من الناحية النفسية، وقد تنتج سلوكيات من نوع الإدمان حين يحاول الناس مداواة أنفسهم عبر التدخين أو معاقرة الكحول أو تعاطي المخدرات. كذلك، قد يصبح الناس أكثر ميلاً إلى اكتساب عادات غير صحية، مثل سوء التغذية أو قلة التمارين الجسدية، إذا تراكمت آثار الضغط النفسي لديهم بسبب حوادث عصيبة اختبروها في الماضي.

التغيرات الجسدية: قد تحصل تغيرات جسدية بسبب الضغط النفسي وتؤثر على نسبة المخاطر المطروحة. حين تجد نفسك في موقف خطير، قد يتعاون دماغك وقلبك لمساعدتك على تجاوز المشكلة، فيضخان مواد كيماوية لتجديد طاقة الجسم وتجنب المخاطر. لكن رغم قدرة الأعضاء على التعاون في ما بينها خلال لحظات الخطر، قد يؤدي الرابط بينها إلى تفاقم الأضرار عند وقوع أحداث ضارة من الناحية النفسية. ثمة رابط نفسي بين الدماغ والقلب، وهو يرتكز على عوامل مثل هرمونات الضغط النفسي والاستجابات المناعية. هما مترابطان من الناحية الكهربائية أيضاً عبر روابط عصبية مثل العصب المبهم الذي يتصل بالأمعاء. في الوقت نفسه، قد يؤثر التعرض المزمن للضغط النفسي والهرمونات التي ينتجها على نمو الدماغ ويغير طريقة تعامله مع الخوف والعواطف والذكريات. حتى أنه قد يطلق سلسلة من التغيرات الجسدية التي تُسبب السكري وارتفاع ضغط الدم والكولسترول والالتهابات واكتساب الوزن في منطقة الحجاب الحاجز، وهي عوامل خطيرة على صحة القلب.

التغيرات العاطفية: رصدت الأبحاث السابقة رابطاً واضحاً بين تجارب الطفولة السلبية وزيادة مخاطر الإصابة باضطرابات نفسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب وإجهاد ما بعد الصدمة. قد تؤدي هذه الاضطرابات، والأدوية المستعملة لمعالجتها أحياناً، إلى زيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية.

ساعد الأطفال المعرضين للخطرقد تعطي تجارب الطفولة السلبية أثراً هائلاً على حياة الفرد، لكنها تنعكس أيضاً على الوضع الاجتماعي عموماً. يقول المشرفون على مراجعة نشرها موقع مجلة "جاما" لأمراض القلب في 2 كانون الأول 2020 إن تحليلاً سابقاً كشف أن حالات الاكتئاب كانت لتنخفض بنسبة 40%، ونوبات القلق بنسبة 30%، والأمراض التنفسية بنسبة 28%، وأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 20%، وإصابات السرطان بنسبة 10%، لو تخلصت منطقة أميركا الشمالية من تجارب الطفولة السلبية. إذا كنت تشتبه بأن أحد الأطفال في حياتك يعاني من صدمة معينة، تتعدد الخطوات التي تستطيع اتخاذها لمساعدته. لكن لن يكون التدخل سهلاً في جميع الحالات لأن جزءاً كبيراً من هذه المواقف يتعلق بظروف عائلية شائكة.

مع ذلك، يمكنك أن تُحدِث بعض الفرق وتُخفف الأضرار المحتملة عبر التعامل مع الطفل وكأنك الشخص الراشد الذي يستطيع الوثوق به في جميع الظروف. نسمع دوماً قصصاً متشابهة عن أشخاص كبروا في ظروف مريعة ومع ذلك نجحوا في تجاوزها. وعند سؤالهم عن السبب، غالباً ما يذكرون تأثير الجدة أو الأم أو معلمة أو رجل دين في حياتهم. يجد هؤلاء الأطفال شخصاً راشداً جديراً بالثقة ويعتبرونه قدوة لهم للمضي قدماً من الناحية النفسية وإدراك قدراتهم على مستويات عدة.


لا تتردّد في طلب المساعدة


إذا واجهتَ المصاعب في طفولتك، يجب أن تعرف أولاً أنك لست وحدك. وفق دراسة نشرتها مجلة "جاما" لأمراض القلب، اعترف 52% من أصل 13 ألف شخص شاركوا في أحد الاستطلاعات بأنهم اختبروا تجربة واحدة على الأقل من تجارب الطفولة السلبية، وقد واجه أكثر من 6% منهم أربع تجارب مماثلة أو أكثر. لكن إذا واجهتَ أي مشاكل خلال طفولتك، لا يعني ذلك بالضرورة أنك ستصاب بمشاكل قلبية ووعائية حتمية. يتجنب البعض العواقب الصحية على المدى الطويل رغم ظروفهم الصعبة. تكشف هذه الحالات عن عوامل مؤثرة أخرى:

• يحمل البعض قابلية وراثية للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ما قد يجعل أضرار هذه الأحداث أكثر حدة مقارنةً بمن لا يحملون قابلية مماثلة.

• قد يكون توقيت الأحداث الصادمة عاملاً مؤثراً أيضاً.

• يعطي النوع الاجتماعي أثراً واضحاً، إذ يحمل الرجال والنساء في بعض الحالات درجات متفاوتة من القابلية للأمراض نتيجة مختلف أنواع تجارب الطفولة السلبية.

• قد يحمل البعض خصائص في شخصيته أو يخوض تجارب صعبة في حياته، فيصبح أكثر قوة في وجه الصدمات.

بغض النظر عن مسار طفولتك، يمكنك أن تتخذ خطوات عدة لتخفيف المخاطر التي تواجهها. يقال إن أكثر من 90% من أمراض القلب والأوعية الدموية يمكن تجنبها. في ما يلي بعض الخطوات المفيدة في هذا المجال:

اطلب مساعدة الخبراء: تتعدد الاستراتيجيات التي تستطيع تطبيقها بنفسك، لكن لا بديل عن استشارة الطبيب النفسي لمساعدتك على تجاوز الصدمات الحادة. إذا واجهتَ أي شكل من تجارب الطفولة السلبية في الماضي، قد تستفيد كثيراً من اللجوء إلى اختصاصي في الصحة النفسية.

غيّر عاداتك اليومية: يصعب تغيير السلوكيات طبعاً، لكن قد تنعكس التعديلات البسيطة في أسلوب الحياة على مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، منها التحكم بمستوى الضغط النفسي (إذا أمكن)، والالتزام بحمية غذائية صحية والحفاظ على وزن سليم، وتكثيف النشاطات الجسدية. اختر التمارين والتعديلات التي تستمتع بها كي تلتزم بها على المدى الطويل.

عالج صحتك العقلية: قد تكون التغيرات السلوكية أكثر صعوبة إذا كنت تعاني من صدمات الماضي، لذا ركّز في هذه الحالة على الخطوات التي تعالج صحتك العقلية أيضاً. حافظ على نشاط دماغك عبر تجربة نشاطات مختلفة، وتغيير روتين المشي اليومي، وتعلّم هواية جديدة، أو تكثيف القراءة بكل بساطة. تكون العقلية السليمة أساسية للحفاظ على الصحة الجسدية.

تحكّم بضغطك النفسي: تطرح هذه الخطوة تحدياً كبيراً على جميع الناس. ابدأ بتجربة التأمل المبني على الاسترخاء الذهني، إذ تعزز هذه الممارسة مستوى الوعي الذاتي وتزيد التركيز على الأحاسيس في الوقت الراهن. تتعدد التطبيقات والموارد عبر المواقع الإلكترونية للبدء بهذه المقاربة. جرّب هذه الخيارات إلى أن تجد التطبيق الذي يناسبك. أو تسجّل في حصص مخصصة للبيلاتس أو اليوغا مثلاً. تُركّز هذه النشاطات على العقل والجسم في آن وقد تسهم في تخفيف الضغط النفسي.



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.