جاد حداد

الحمية الغذائية تُحدد مصير الخلايا السرطانية

22 أيار 2021

02 : 00

حين تنقسم خلية واحدة أو تتكاثر بوتيرة خارجة عن السيطرة، ينشأ مرض السرطان. طورت الكائنات متعددة الخلايا، مثل البشر، توازنات عدة لتجنب حصول ذلك.

قد تنقسم الخلايا مثلاً لبضع مرات قبل أن تخسر قدراتها أو ربما تطلق عملية "موت الخلايا المبرمج" لمنع نموها الخارج عن السيطرة.

يبدو أن الجينات القادرة على التسبب بالسرطان قد تكون مزودة بآلية راسخة للحفاظ على سلامة الجسم، ما يعني أنها لا تعزز تكاثر الخلايا فحسب بل تطلق عملية موت الخلايا أيضاً. تُسمى إحدى الجينات السرطانية SRC.

طوّر العلماء أدوية عدة تعيق آثار تلك الجينة، لكنها أثبتت فشلها خلال تجارب العلاج الكيماوي. ربما يتعلق السبب بقدرة الأدوية على تعطيل المسارات التي تُسبب السرطان وتلك التي تقمعها في آن، وهي المسارات التي تتحكم بها الجينة.

قاد باحثون من مركز "ريكن" لأبحاث ديناميات الأنظمة الحيوية في "كوبي"، اليابان، فريقاً دولياً نجح الآن في تسليط الضوء على الآثار المعاكسة التي تعطيها هذه الجينة الفردية أحياناً على مستوى الخلايا.

لكن عند تحليل دور الجينة لدى ذباب الفاكهة، تبيّن أنها تنظّم مسارَين جزيئيَين مختلفَين في الوقت نفسه: يعزز المسار الأول نمو الخلايا، ويُسهّل المسار الثاني موتها. كذلك، اكتشف العلماء طريقة محتملة لإعاقة المسار المُسبّب للسرطان من دون تعطيل المسار التي يكبح نموه.

يبدو أن حصر كمية حمض أميني اسمه "الميثيونين" في طعام الذباب يعطي الأثر المنشود. يقول الدكتور سا كان يو الذي أشرف على البحث: "شعرنا بحماس شديد حين اكتشفنا أن التلاعب بكمية الميثيونين الغذائي قد يؤثر على تكاثر الخلايا لكنه لا ينعكس على موتها". نُشرت نتائج البحث في مجلة "إي لايف".

حمض أميني أساسي

الأحماض الأمينية هي الركائز الجزيئية للبروتينات. يمكن إيجاد الميثيونين بكمية كبيرة في اللحوم والبيض، وهو يُعرَف بالحمض الأميني "الأساسي" لأن الجسم لا يستطيع إنتاجه بنفسه.

تكثر الأدلة التي تثبت أن معظم حالات السرطان تتوقف على كمية الميثيونين في الحمية الغذائية. نشرت مجلة "ميديكل نيوز توداي" مثلاً تقريراً عن دراسة مفادها أن الفئران التي تلقّت حمية تَقِلّ فيها كمية الميثيونين تجاوبت مع علاجات السرطان بطريقة أفضل من غيرها.

استنتجت دراسات أخرى أن نمو الخلايا السرطانية وصمودها قد يتأثران عموماً بكمية الميثيونين في الحمية الغذائية. توصّل الدكتور يو وزملاؤه إلى استنتاجاتهم حول الميثيونين عبر تحليل جينة Src لدى ذباب الفاكهة. لتحديد الجينات الأخرى المرتبطة بآثار جينة Src على تكاثر الخلايا وموتها، استعمل الباحثون تقنية اسمها "تدخّل الحمض النووي الريبي" لتعطيل الجينات المرشّحة واحدة تلو الأخرى.

بناءً على مقاربة الاستبعاد هذه، تبيّن للمرة الأولى أن جينة Src تؤثر على تكاثر الخلايا وموتها عبر جينة أخرى اسمهاSlpr والبروتين الذي يشفّرها.

هذا البروتين ينشّط بروتينَين آخرين في الوقت نفسه: P38 وJNK. اكتشف الباحثون أن البروتين الثاني يسيطر على المسار الذي يُمهد لموت الخلايا. أما البروتين الأول، فهو يتحكم بالمسار المرتبط بتكاثر الخلايا. وحين راجع العلماء المعطيات العلمية المتعلقة ببروتين P38 والمسارات التي يؤثر عليها، استنتجوا أن نشاطه يتوقف بدرجة كبيرة على المغذيات الموجودة في الحمية الغذائية.

تجارب التقييد الغذائي

في سلسلة أخرى من التجارب، حاول الباحثون تحديد العنصر الغذائي الذي يعطي أكبر أثر على مسار P38. من خلال حذف حمض أميني أساسي واحد في كل مرة من حمية يرقات الذباب، اكتشفوا أن حرمان تلك اليرقات من الميثيونين يعطّل مسار P38. هذا العامل منع تكاثر الخلايا بطريقة خارجة عن السيطرة ومُسببة للسرطان من دون التأثير على مسار موت الخلايا.

لكن شملت الدراسة الأخيرة أبحاثاً أولية عن الذباب، ووحدها التجارب العيادية تستطيع تحديد مدى نجاح هذه الاستراتيجية لدى البشر.

يقول الدكتور يو: "في الوقت الراهن، لا نعرف بعد مدى تطابق النتائج المسجّلة لدى الذباب مع حالات السرطان البشرية. لكننا نتوقع أن تتطابق مع حالات معينة لأن بعض أنواع السرطان لدى البشر ينشّط جينة Src أيضاً".

أخيراً، اكتشف يو وزملاؤه على مر تجاربهم أن بروتين SLPR هو نقطة الانطلاق للمسارات التي تسيطر عليها الجينات السرطانية الأخرى، إلى جانب جينة Src. يطمح الباحثون في المرحلة المقبلة إلى اكتشاف كيفية حصول ذلك.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.