يقدم المخرج ألكسندر أجا نوعاً مختلفاً جداً من أفلام التشويق المحصورة في مساحات ضيقة بعد فيلمه الرائع Crawl (الزحف). يحمل العمل هذه المرة اسم Oxygen ويُعرَض على شبكة "نتفلكس". بدأت التحضيرات لهذا الفيلم قبل تفشي فيروس كورونا في العالم، ومع ذلك يحمل جوانب مرتبطة بالوباء بطرقٍ غير متوقعة. يتمحور الفيلم حول العزلة والخسارة ومستقبل مجهول. تم تصويره في تموز 2020، وهو يعكس بكل وضوح جميع المخاوف الدولية من تراجع كميات الأوكسجين، مع أن أحداثه تتطور بطريقة لا يمكن تصورها. في المقام الأول، تقدم الممثلة الرائعة ميلاني لورانت أداءً مدهشاً، فتسيطر على الشاشة باعتبارها الشخصية الحقيقية الوحيدة في الفيلم. بفضل الإخراج القوي داخل مساحة محصورة وأداء لورانت الاستثنائي، يمكن اعتبار فيلم Oxygen فسحة غير مألوفة لكل من يبحث عن عمل مختلف على شبكة "نتفلكس".
تؤدي لورانت دور "ليز هانسن"، وهي طبيبة تستيقظ في غرفة تبريد ولا تتذكر كيفية وصولها إلى ذلك المكان. تكون ذكرياتها كلها مضطربة وغير متماسكة، ما يزيد حجم ارتباكها. في البداية، لا تكون "ليز" متأكدة من اسمها أو مهنتها أو خلفيتها الشخصية. وحين تبدأ باسترجاع تلك الذكريات، تتواصل مع حاسوب اسمه "ميلو" (بصوت ماثيو أمالريك). يبدو هذا الجهاز أحياناً أقل شناعة بقليل من حاسوب "هال" المعروف في فيلم 2001: Space Odyssey (2001: الملحمة الفضائية) في ما يخص احتساب فرص نجاة "هانسن". في غضون ذلك، تخسر الغرفة التي تتواجد فيها "ليز" الأوكسجين بوتيرة سريعة، فتضطر هذه الأخيرة لاكتشاف هويتها وسبب وجودها هناك وكيفية الخروج من ذلك الكابوس. تبدو الأجواء العامة أشبه بخليط من فيلمَي Buried (مدفون) و2001: Space Odyssey.
يمكن اعتبار أول نصف ساعة من الفيلم الأكثر تأثيراً وسرعان ما تتخذ الأحداث منحىً غامضاً حيث تضطر الضحية لطرح الأسئلة الصحيحة كي تتمكن من إنقاذ حياتها. هي تملك حاسوباً خارقاً في متناولها، لكنه مجرّد نظام قادر على التجاوب معها ولا يستطيع التفكير بطريقة مستقلة. لا تستطيع "ليز" مثلاً أن تطلب من "ميلو" تحليل الوضع واكتشاف المعلومات، بل إنها مضطرة لطرح الأسئلة المناسبة كي تكتشف سبب وجودها في تلك الغرفة وكيفية الهرب منها. لماذا لا يتجاوب أحد مع إشارة الاستغاثة التي أرسلها "ميلو"؟ ولماذا لا تُحقق "ليز" أي نتيجة رغم الاتصال بمنزلها والسلطات؟ ولماذا تعجز عن تذكّر ماضيها ولا تسترجع إلا صوراً عابرة؟ تتعلق أكثر الجوانب متعة في فيلم Oxygen بظهور أجوبة واضحة على تلك الأسئلة كلها بحلول نهاية العمل. وعلى عكس بعض أفلام الخيال العلمي الأخيرة، سرعان ما تتطابق جميع أجزاء الأحجية في هذه القصة. يمكن مشاهدة الفيلم مجدداً بعد كشف جميع الأسرار، لكن تبقى التجربة الأولى التي تترافق مع أجواء الغموض واكتشاف الحقائق التدريجي مع شخصية "ليز" الأكثر متعة على الإطلاق.

بما أن جميع أحداث الفيلم تدور في غرفة واحدة (باستثناء لقطات الماضي أو الذكريات)، يطلب المخرج أجا الكثير من لورانت، فتقدّم هذه الأخيرة كل ما لديها في هذا الدور وتعكس مجموعة كاملة من العواطف، بدءاً من الخوف والغضب وصولاً إلى الحزن. باختصار، تقدّم لورانت واحداً من أفضل العروض التمثيلية في العام 2021. إنها المرشّحة المثالية لهذا الدور، وهي تُذكّر المشاهدين بمستوى أدائها المدهش مع أنها عالقة في شخصية تفرض عليها استعمال وجهها وصوتها بكل بساطة.
قد لا يُسَرّ بعض المشاهدين بالمشهد النهائي من الفيلم، لكنه يبقى متماسكاً ولافتاً ولو من الناحية التمثيلية البحت. بفضل الزخم الذي يعطيه أجا للإخراج وقوة أداء لورانت، تُعتبر هذه الميزة مفاجئة بالنسبة إلى هذا النوع من أفلام التشويق. تستيقظ "ليز" وتجد نفسها في وضع لم تتخيله يوماً وتضطر لاكتشاف طريقة لإنقاذ نفسها قبل نفاد الأوكسجين من الغرفة. يرتفع مستوى التشويق بفضل لقطات الماضي التي تعود إلى المستشفيات المليئة بأطباء ومرضى يضعون أقنعة على وجوههم، فيزيد منسوب التوتر في زمن كورونا مع أن الفيلم لا يلمح إلى هذه الأزمة صراحةً في محاولةٍ منه لتأجيج العواطف. من دون الإفصاح عن تفاصيل مفرطة، يمكن القول إن الفيلم يجمع بين الحزن والتفاؤل، ويختصر هذا الخليط معظم أحداث العالم في العام 2021 كونه يقيّم ما خسرناه تزامناً مع التمسك بالأمل والتطلع إلى مستقبل أفضل.