جاد حداد

Halston... قصة مصمّم أزياء مثير للجدل

4 دقائق للقراءة

يطرح مسلسل Halston قصة شخص لن يرغب أحد في العمل معه أو الوقوع في حبه أو تأمينه على مبلغ كبير من المال. إنه مصمم الأزياء الأميركي هالستون أو "الفنان الذي يحبّ صرف الأموال". يتمحور هذا العمل الجريء حول الغرور السائد في عالم التصاميم اللامعة وتداعيات التخريب الذاتي. يستفيد الفيلم أيضاً من تمثيل إيوان مكريغور الذي يقدم في هذا الدور أفضل أداء له في مسيرته المهنية، فيجسّد عظمة روي هالستون وكأن مصمم الأزياء هذا كان ممثلاً بحد ذاته، ويعكس قوة هذا الفنان الذي أراد أن يعرفه الناس باسمه الأوسط فقط. إلى جانب الأزياء المدهشة التي ترافق نجاح هالستون وتعثره بين الستينات وأواخر الثمانينات، تتسم حلقات المسلسل الخمس بالتوازن والإتقان وتحمل توقيع المخرج دانيال ميناهان.

يبدأ المسلسل بعرض أولى مراحل نجاح هالستون لكنّ إيقاعه سريع لدرجة ألا يلاحظ البعض تصميمه الشهير لقبعة جاكي كينيدي، رغم أهمية هذا الحدث ومساهمته في توسّع شهرة هالستون وانتشار تصاميمه. يُعرَض هذا الحدث في المسلسل وكأنه جزء من اللحظات التي تفوز فيها نرجسية "هالستون" رغم مشكلة التمويل التي يواجهها. تكمن المتعة الحقيقية في هذا العمل في استكشاف ما يفعله هذا المصمم بالفرص التي يحصل عليها، وتحديداً حين تقنعه شركات كبرى وذات نوايا حسنة مثل "نورتون سيمون" (يؤدي بيل بولمان دور رئيسها التنفيذي ديفيد ماهوني) بالسماح لها باستعمال اسم "هالستون".



لكن لم يحقق هالستون هذا النجاح وحده، مع أنه لن يدرك هذه الحقيقة في خضم رحلته العاطفية قبل مرور أربع حلقات من المسلسل. تتمحور القصة حوله، إلى جانب مجموعة من الشخصيات الواعدة الأخرى التي تقدم مساهماتها الخاصة ويؤديها ممثلون مقنعون بالقدر نفسه، منها عارضته الأساسية "إيلسا بيريتي" (ريبيكا دايان)، و"جو إيولا" (ديفيد بيتو)، الرسام الذي يصبح أشبه بملاك حارس لهالستون حين يضطر هذا الأخير لاتخاذ قرارات صعبة. كذلك، يظهر روري كولكين في الحلقات الأولى بدور "جويل شوماخر" في شبابه، وهو الشخص الذي يقدم المواد لهالستون قبل أن يضفي عليها هذا المصمّم لمسته السحرية. يُركّز المسلسل في جميع حلقاته على براعة "هالستون"، لكن يتمحور جزء كبير من الدراما حول فكرة مختلفة: لم تكن جميع إنجازاته من صنعه!

يسلّط هذا المسلسل الضوء على موهبة إيوان مكريغور ويكشف أكثر جوانبه العاطفية والحسّية بمستوى مقارب لأدائه بدور يسوع المسيح في فيلم Last Days in the Desert (الأيام الأخيرة في الصحراء). يهتم هذا الممثل بتفاصيل شخصية "هالستون"، فيحمل السجائر الطويلة بحذر وكأنها مصنوعة من زجاج ويتخذ وضعية جسم مثالية. تُركّز الحلقة الثالثة تحديداً على هذه التفاصيل، إذ يختبر "هالستون" فيها ذكريات قوية وردود أفعال مؤثرة حين يختار الروائح الخاصة بعطره الشهير إلى جانب الممثلة الممتازة فيرا فارميغا بدور المعالِجة المزيفة وصانعة العطور. إنه أعمق استكشاف لمشاعره المكبوتة ويقدم مكريغور هذا الجانب من الشخصية بطريقة لامعة ومتقنة. تكشف المقاطع اللاحقة مرحلة سقوطه وتدميره الذاتي حين راح يُركز على الرفاهية وغروره أكثر من الابتكار. يُشدد المسلسل على هذا الجانب ويعرض أمثلة عدة على بزخه المفرط (كان يسافر لتناول العشاء مثلاً على متن طائرته الخاصة من مانهاتن إلى مونتوك) أو عناده الذي يمنعه من العمل أحياناً. قد لا يعتبره بعض المشاهدين بطلاً أو فناناً، وقد يظن آخرون أن المشروع كله غير موضوعي. هذا التقييم هو الذي يُحدد رغبة الجمهور في متابعة جميع الحلقات. يحب المسلسل الشخصية التي يقدّمها لكنه لا يتردد في عرض سقوطها بوتيرة بطيئة ومفصّلة.

في مطلق الأحوال، يكون العالم المحيط بهالستون آسراً ويترافق مع مشاهد مذهلة تتحرك على وقع الموسيقى وتعكس عظمة عهده خلال السبعينات. يحرص المخرج أيضاً على نقل صداقات "هالستون" المختلفة ويعرض مشاهد حميمة تثبت أن هؤلاء الأشخاص كانوا يعيشون حياة خاصة بهم ويستطيعون ترك إرثهم بمعزل عنه. في العام 2019، أصدر المخرج فريديريك تشينغ فيلماً وثائقياً عن هالستون يحمل العنوان نفسه، ويمكن اعتباره استكمالاً لهذا المسلسل. لم يكن هذا العمل يهتم بعدد المشاهدات أو سرد القصة كاملة (حتى أن فيلم تشينغ شمل خطاً سردياً عن امرأة جسّدت دورها تافي غيفينسون وقدّم هالستون وكأنه شخص معزول ومتحفظ). في المقابل، يقدّم مسلسل المخرج ميناهان هالستون وأسراره الكثيرة بدرجة من التبجيل والدهشة. لكنه يبقى لغزاً حقيقياً ويحرص مكريغور والمسلسل عموماً على التعامل معه على هذا الأساس. باختصار، قد يتجاوب المشاهدون مع هذا العمل أو ينفرون منه!