د. ميشال الشماعي

جعجع يعلن إيمانه بالقانون

29 أيار 2021

02 : 00

ثارت حفيظة بعضهم حول ما اقترحه رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدّكتور سمير جعجع في 27 أيّار 2021 حول موضوع الحجز على الاحتياطي الالزامي، حيث دعا المودعين في المصارف اللبنانيّة كلّهم إلى التقدّم بطلبات حجز إحتياطي على الاحتياطي الالزامي العائد لودائعهم في المصارف والمودع في مصرف لبنان، وذلك أمام دوائر التنفيذ المختصّة. وسرعان ما صدحت أبواق السخرية لتهزأ ممّا اقترحه الرّجل الصلب. فهل ينفع مفهوم القانون في دولة يسيطر فيها السلاح؟

لقد استند الدكتور جعجع في اقتراحه هذا على اجتهاد لرئيس دائرة تنفيذ بيروت، القاضي مريانا عناني، بقرار أصدرته في 18/ 2021/5 عند نظرها في دعوى لشخص له دين على أحدهم، فأمرت بحسب نصّ الدّعوى "الترخيص بإلقاء الحجز الاحتياطي على ما يعود قانوناً للمحجوز ضدّه (ذاكرة اسم المصرف)، من أموال الاحتياطي الالزامي تحت يد الشخص الثالث المطلوب الحجز تحت يده مصرف لبنان، وذلك تأميناً لدين المودِع الحاجز (ذاكرة اسم المودع)، بالإضافة إلى الفوائد واللواحق المقدّرة بـ (ذاكرة المبلغ)". والقرار مذيّل بتوقيعها بالتاريخ المذكور آنفاً.

إذاً، اقتراح الدكتور جعجع ليس سورياليّاً وبعيداً من الواقع بل هو مستند إلى اجتهاد قانوني لسعادة القاضي "عناني". وإثارتنا لهذه القضيّة ليست إلا لإظهار مدى فعاليّة القانون ومدى إيمان هذا الرّجل بقوّة القانون. لكن المفارقة في هذه الحال أنّ مفعول القوّة المتجسّد في هيمنة السلاح غير الشرعي على القانون قد يبطل مفعول أيّ دعوى. لكن القوّة التي قد يكتسبها هكذا اقتراح لا تكمن في القدرة الشخصيّة للمدّعي فحسب، بل تكمن في القدرة الجماعيّة التي قد تكتسبها مجموع دعوات مماثلة في الوقت عينه. وهذا ما قد يحرج عدداً كبيراً من المصارف التي تحجز أموال المودعين. وبالتّالي يمنع هذه المنظومة عمليّاً من المسّ بأموال المودعين الموجودة اليوم في المصرف المركزي تحت مسمّى "الاحتياطي الإلزامي".

وعندها لن يتمكّن أيّ سلاح من الوقوف بوجه القانون لأنّه اكتسب مفهوماً جَماعيّاً، ومنفعة جماعيّة للناس كلّهم. وفي هذه الحالة يكون القانون قد أبطل مفعول السلاح غير الشرعي. هذه الواقعة تثبت بالمجرّد أنّ المفهوم الذي تتّبعه هذه المنظومة التي توائم بين الفساد بالحكم والسلاح للحماية، قابل للسقوط في حال اكتسب القانون مفعولاً عامّاً من قبل النّاس مجتمعين. من هنا، نستطيع أن نفهم خوف هذه المنظومة من عمليّة إصلاح القضاء، من خلال الافراج عن التشكيلات القضائيّة عوض الاستعاضة عنها بتعيينات معروفة الوجهة والوجه.

لن نستطيع إنهاض لبنان والبدء بعمليّة إصلاحيّة واسعة في المؤسسات العامّة كلّها إن لم ننهِض القضاء أوّلاً. وعندنا في رصيدنا القضائي ما يكفي من القضاة النّزيهين القادرين على تطهير القضاء انطلاقاً من مقولة انّ السلطة القضائيّة تطهّر ذاتها بذاتها متى ترفع يد السياسة عنها. لذلك كلّه، أتى اقتراح القانون الذي تقدّم به النّائب جورج عقيص باستقلاليّة القضاء بالكامل، من دون الإكتفاء فقط بالقضاء العدلي أو الإداريّ فحسب. ويدرس هذا الاقتراح الآن في لجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب جورج عدوان، ليصار إلى التصويت عليه من قبل الهيئة العامّة.

مرّة جديدة يعلن جعجع إيمانه بالقانون ومفاعيله. وبنظره تبقى العدالة هي عدالة لو أتت متأخّرة. وللرّجل تجارب جمّة مع القانون ليس بدءاً بمحاكماته المزيّفة التي خاضها بكلّ جرأة تحت سقف القانون، وأثبت براءته بالقانون من الملفّ الذي اعتقِل بسببه. وصولاً إلى قضيّة المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال التي ما زالت خاضعة لتجاذبات القانون، ولكنّ إيمانه أكبر من أن تُسلَبَ بالقانون. وإن لم يكتسب القانون القدرة الجماعيّة والايمانيّة من قبل النّاس مجتمعين لن يستطيع إبطال مفاعيل الفساد والسلاح، ولكن إن اتّحد اللبنانيّون حول أهميّة وأحقّيّة القانون اللبناني فحتماً سيحقّقون الخرق القانوني لصالحهم، وسيتفوّقون على مفاهيم الفساد كلّها، وسيبطلون جبروت السلاح غير الشرعي. هَل مَن يلاقي جعجع في إيمانه؟ أم سيُترَك وحيداً في معركة القضاء قبل القضاء على القضاء؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.