بالنسبة إلى محبّي القصص الخيالية، تكون الأساطير محور حكايات متجددة. تبقى قصص الآلهة القدامى والجدد ومعاركهم الشرسة وأعداؤهم المخيفون والأساطير المرتبطة بقواهم الخارقة خطوطاً سردية شائعة في جميع القصص الأسطورية. تُعتبر حكايات الآلهة الاسكندنافيين من أشهر القصص المشتقة من الفولكلور الاسكندنافي. يقتبس رواة القصص أجزاءً منها منذ وقت طويل. للتأكد من ذلك، يكفي أن نراجع سلاسل الكتب الهزلية والأفلام التي اجتاحت العالم.
انضمّت شبكة "نتفلكس" بدورها إلى هذه الموجة وأنتجت نسخة معاصرة من العمل النروجي Ragnarok (مصير الآلهة). يتمحور الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه حول مصير "ثلاثية ثور"، لكن يختلف الوضع مع المسلسل التلفزيوني. لا يتّسم هذا الأخير بالفخامة نفسها، حتى أنه لا يطرح أفكاراً مشابهة، لكنه يحمل مزاياه الخاصة.
في الموسم الأول من مسلسل Ragnarok، يعود "ماغني"، وهو صبي مصاب بعسر القراءة، إلى بلدته "إيدا" مع والدته وشقيقه الأصغر "لوريتس". يضعه أول عمل لطيف يقوم به هناك في مواجهة مباشرة مع امرأة غامضة تلمس جبينه وتوقظ فيه قوة جديدة. بعد هذه المرحلة، يبدأ "ماغني" بملاحظة تغيرات بارزة فيه، فيصبح أكثر قوة وسرعة ويتحسن أداؤه لكنه يبقى عاجزاً عن القراءة، ما يعني أنه قد يحتاج إلى المزيد من الوقت قبل أن يستجمع كامل قدراته.

في المدرسة، يصادق "ماغني" فتاة اسمها "إيسولد"، وهي ناشطة بيئية تدير قناة على موقع يوتيوب حيث تفضح تدهور الوضع في بلدتها، وذوبان الأنهار الجليدية، وزيادة أعداد المرضى في "إيدا". تشير جميع تحقيقاتها إلى مسؤولية عائلة "جوتول". لكن بما أنها عائلة ثرية وقوية جداً، لا تستطيع "إيسولد" ولا أي شخص آخر محاسبتها. سرعان ما يكتشف "ماغني" أن شرور هذه العائلة تفوق توقعاته بأشواط.
سيكون مسلسل Ragnarok عملاً ممتعاً آخر لكل من يحب الأعمال التي تدور في دول الشمال على شبكة "نتفلكس". هو يعكس جمال بلدة نروجية صغيرة ويشدد على تناقضها المدهش مع الوضع المتدهور. فيما نشاهد الجبال المغطاة بالثلوج والغابات المليئة بالضباب، سيتسنى لنا أيضاً أن نشاهد انهيار البلدة بحجة التقدم. هذا الجانب يبقينا على تواصل مع روحية القصة ويمنعنا من الانجرار وراء الأسطورة التي يرتكز عليها العمل. بغض النظر عن انخراط الآلهة والكائنات العملاقة في معركة ملحمية، يجب أن يفهم الجميع أن المياه هناك ملوثة وأن العالم يوشك على الانتهاء.
ظاهرياً، قد يبدو الجمع بين المخاوف البيئية الراهنة والأساطير فكرة ممتازة، فهو ينذر بعرض قصة ترفيهية ممتعة تزامناً مع استخلاص دروس مهمة. في الحلقة الأولى، يطرح المسلسل ركيزة واضحة لتطبيق هذه المقاربة عبر ترتيب معظم تفاصيل المعركة المرتقبة. تعطي هذه التركيبة المفعول المنشود، لكن يخسر المسلسل في نهاية الموسم لمسته المميزة وتصبح الحبكات الفرعية التي كان يُفترض أن تحافظ على تماسكها شائبة لدرجة أن تعجز عن طرح أي جوانب متقنة.
تتعلق إحدى مشاكل المسلسل بشخصياته، بدءاً من بطل القصة. يستحق "ماغني" أن يتمحور العمل حوله، إذ تكثر الأفعال التي تثبت لطفه واهتمامه وتعاطفه مع الآخرين، وسرعان ما يزداد يأسه حين تفشل جميع محاولاته لتحقيق العدالة. هو مراهق ساذج ويثق دوماً بالأشخاص الخاطئين ولا يجيد السيطرة على الأحداث. لكننا سنعرف في مرحلة معينة أنه قد يصبح عنيفاً وعدائياً، مع أننا لن نشاهد هذا الجانب من شخصيته بل نسمع عنه بكل بساطة. يُعَرّف عنه المسلسل كشخص قد يأخذه الناس على محمل الجد، أقله المحيطون به. لكن على أرض الواقع، لا أحد يتعامل معه بجدّية. أحياناً، يصبح غياب التماسك في إظهار جوانب شخصيته مخيباً للآمال.
في ما يخص الشخصيات الشريرة في القصة، ما من أفكار جديدة بأي شكل. إما أن تنفذ تهديداتها كقوى شريرة مستوحاة من الأسطورة الشهيرة، وإما أن تؤدي دور شخصيات ثرية ومستعدة لتدمير الأرض لتحقيق مصالحها الخاصة. إنها شخصيات خطيرة بمعنى الكلمة، لكننا لن نفهم في أي مرحلة من القصة السبب الحقيقي وراء شرّها. هل يُعقَل أن يصبح البعض شريراً بلا سبب؟
يُعتبر شقيق "ماغني"، "لوريتس"، الشخصية المنطقية الوحيدة في العمل. قد لا يملك هذا الفتى أي قوى خارقة للطبيعة بعد، لكنه يناسب دور "لوكي" على أكمل وجه. منذ ظهوره على الشاشة وحتى وقوعه في المشاكل، يبقى "لوريتس" الشخصية التي كانت تستحق استكشافاً إضافياً في هذه القصة. وبفضل أداء جوناس ستراند غرافلي لهذا الدور، يتحول "لوريتس" سريعاً إلى إحدى الشخصيات المفضلة لدى الجمهور... على أمل أن نشاهد جوانب أخرى من شخصيته إذا قررت شبكة "نتفلكس" إنتاج موسم آخر من المسلسل!