شربل داغر

عربية للسماع والتكالم

دقيقتان للقراءة

لا احتاج لدليل عن تراجع العربية المتمادي، حتى عند عدد من أساتذتها وكُتابها. وهو ما يسري أكثر بين طلابها بالطبع... بل باتت العلاقة مع العربية علاقة... سماعية، فتُكتب الأسماء العلم وغيرها بأشكال تنافي المعروف عنها في المدونات الكتابية.

قد يذهب تفسير الظاهرة الى اعتبار الإنكليزية - من بين غيرها من اللغات - تستفيد، بل تُحدث مثل هذه الأحوال اللغوية، وتقلبها لصالحها بشكل تلقائي.

إلا أن ما يمكن التحقق منه، هو أن الإقبال على اللغات الأجنبية يتراجع هو الآخر. يكفي، لذلك، على سبيل المثال، الاطلاع على كتب بحثية أو بحوث في مجلات عربية محكمة، لكي نتأكد من خلوها من أي مرجع اجنبي. وإذا ما توافرت هذه المراجع، فبالعربية، وليس في لغاتها الأصلية.

هذا يشير إلى حال ثقافية، لا إلى حال لغوية وحسب. فما يتراجع، قبل الضبط اللغوي وسلامة العبارة والدقة الإملائية، يتمثل في قلة القراءة، من جهة، وفي تغييب الجهود الأجنبية في المناهج المختلفة الخاصة بدرس الأدب وعلوم الإنسان والمجتمع، من جهة ثانية.

ها العربية الحالية تعود الى قرون سابقة، الى ما قبل القرن التاسع عشر، حيث كانت لغة الكتابة فيها تتقيد باللغة الاستعمالية، الدارجة، من دون معرفة أو اعتبار لقواعد في بنائها.

ها أجيالٌ وأجيالٌ من كُتاب العربية الجدد يكتبونها بتلقائية وعفوية، كما لو أن ما يكتبونه، لا يصلح بدوره للقــــراءة، بل للسمع.

والأدهي، في هذا، هو أنهم لا ينصرفون إلى الكتابة بالعامية، بل بالفصحى... بفصحى مرخاة في أواخرها، من دون إعراب.

كتب إبراهيم اليازجي قبل قرن وأزيد: "وإنما اللغةُ بأهلها"، أي أنها صورة احوالهم وتمدنهم، أي ما يستطيعونه ويتمكنون منه في صنع حاضرهم.

فالعربية ليست قواعد فقط، ولا تحتاج الى ضبط إملائي تحديداً، وإنما هي حالٌ ثقافية، وعلامةُ وجودٍ فاعلٍ، او غير فاعل، في مجتمعاتها كما في العالم.