خالد العزي

الأيام تمرّ بسرعة لكن الحقائق ثابتة...

10 حزيران 2021

02 : 00

محسن ابراهيم وياسر عرفات وجورج حاوي

لم أكن على معرفة شخصية بمحسن إبراهيم كمعرفتي ببعض من قيادة "منظمة العمل الشيوعي" في الجنوب. بالرغم من انضوائي بالتنظيم في الجنوب بعيداً على المركز وصعوبة الوصول اليه، بالرغم من تحدري من عائلة مرتبطة تاريخياً بمسيرة المنظمة العسكرية والتنظيمية. فالارتباط كان أعمق مع الكوادر الأخرى في المنظمة نظراً لقربي منهم ولعملي التنظيمي المباشر وسهولة التواصل بيننا وخاصة بانني لم اكن اهتم لشخصية القائد وتبجيلها. بالرغم من ارتباطي التنظيمي والعسكري بالمنظمة لكن لم يكن يعرفني احد بالمنظمة او بالحزب، لكوني كنت ارى التوأمين جورج حاوي ومحسن ابراهيم يجسدان الصورة النضالية الواحدة في بلاد عانت من الويلات. إلتقيت مع محسن ابراهيم ثلاثة لقاءات عابرة، الاول في العام 1986 في اجتماع عقد لكوادر المنظمة في صيدا، وفي العام 1987 عندما زارنا في بيتنا بعد استشهاد اخي في عملية للمقاومة، والثالث في عام 1988 في لقاء كوادر المنظمة للبدء بالتحضير للمؤتمر العام.

بعد غيابي الطويل عن لبنان التقيته صدفة في العام 2010 في نقابة الصحافة في الذكرى السنوية لاغتيال الشهيد ابو انيس جورج حاوي، وسررت باللقاء لما يحمل من قيمة تاريخية ومعنوية. لم يكن احد من اصدقائي يعرف بانني انتمي للحزب او للمنظمة لقربي وانفتاحي على الحزب، ولمتانة علاقتي مع رفاق في الحزب الذي كنت ارى فيهم رفاقي الذين يجسدون نفس الصورة النضالية التي احملها. حيث تجسدت الصورة في الميدان في المعتقل في الاعمال الميدانية والجامعة والسفر والعلاقات الشخصية والأصدقاء، بالرغم من انتمائي الثابت للمنظمة عكس الآخرين الذين تقلبوا في مسيراتهم النضالية بين الأحزاب المختلفة ويستقرون في المكان الأخير. لكن للامانة التاريخية تعلمت الكثير من مدرسة محسن ابراهيم التي بنيت عليها شخصيتي ومفاهيمي الوطنية الثابتة، التي تجسدت في الخط النضالي للمنظمة حيث حملت لواء العروبة والوطنية والقومية والحب الدائم للقضية الفلسطينية. لقد انشغل محسن ابراهيم منذ اندلاع الحرب الاهلية بالحركة الوطنية الى جانب الشهيد كمال جنبلاط، الذي كان يواكب اعمالها التفصيلية الى جانب توأم روحه جورج حاوي يشكلان العمود الفقري للعمل النضالي الجديد، الذي حاولوا تنفيذه من خلال البرنامج الاصلاحي لكن الزواريب الداخلية وتوحش القوى الاقليمية جعلتنا ندخل في زواريب الحرب الاهلية، التي دفعنا ثمنها غالياً على حساب مشروعنا. لكن بعد اجتياح بيروت وانحلال عقد مشروع الحركة الوطنية عاد محسن إبراهيم الى المنظمة ليتولى من جديد اعادة بنائها، بعد ان كان دورها في المرتبة الثانية أيام الحركة الوطنية.

لقد اهتم محسن إبراهيم ببناء الهيكلية الجديدة للمنظمة بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت حتى العام 1990 واعتبرت هذه المرحلة من اوج المراحل التي مرت بها المنظمة طوال عملها النضالي. لكن هذه المرة عاد من جديد الى القمة من خلال اطلاق نداء جبهة المقاومة الى جانب صديقه الصدوق جورج حاوي، ليتأكد بان جورج ومحسن توأمان في أشكال مختلفة لمضمون واحد من خلال الشعار الذي أطلق حينها الوطن باق والاحتلال الى زوال. هذه المرة اختلفت القصة مع محسن ابراهيم الذي حمل مع صديقه القضية الفلسطينية من بابها الواسع للحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، الذي كان السر العجيب في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية طوال الفترة السابقة والتي أدت ليدفع الرجلان ثمناً جديداً في حياتهما السياسية. لم تكن فترة ابو عمار سوى فترة جسدها أبو خالد الراحل لتكون شعاراً للمرحلة الجديدة، التي يجب ان ترفع في كل المحافل النضالية التي شكلت نجاح اختراق القضية الفلسطينية لكل الاحتواءات العربية والإقليمية.

لقد عرفت محسن ابراهيم الذي كان دوماً ينتقد سياسة وسلوك الثورة الفلسطينية وتصرفاتها من خلال حرصه عليها والذي كان نصير اليسار الفتحاوي، منتقداً ياسر عرفات في مهرجان الجامعة العربية في بيروت عام 1980 ويقول له باننا نحن معك بالجملة لماذا تأخذنا بالمفرق. لكن في العام 1982 يتحول الانتقاد الى احتضان من قبل التوأم الشيوعي ليصبح اليمين الفتحاوي هو اليسار الحقيقي، الذي حافظ على استقلالية القرار الوطني المستقل بالوقت الذي أصبح فيه اليسار داعماً للمخابرات العربية. عندها عرفت من هو محسن ابراهيم المناضل الثوري القومي الوطني الفلسطيني المنفتح على كل الأطراف، لقد عرفت عن شخصي بأنني لست ماركسياً ولا شيوعياً بل قومياً عربياً ووطنياً لبنانياً. عندها عرفت من هو جورج حاوي وما هي القيمة التي يحملها، من هو الحزب الشيوعي الذي رفع لواءه وحمل همومه ابو انيس، ومن هو كمال جنبلاط ومشروعه الإصلاحي للبنان الجديد، وايضاً من هو ياسر عرفات حامل لواء القضية الفلسطينية وقرارها المستقل.

لكن بعد سفري للدراسة في الخارج تعرفت الى تغييرات اكثر نحو الانفتاح لاني لم أكن شيوعياً ولا ماركسياً بل وطنياً ذا قيم انسانية تخولني معرفة وقراءة افكار محسن ابراهيم والآخرين بسهولة، من دون التقوقع بافكار اليسار المتزمت والماركسية المنهارة والصراع الطبقي الذي تغيرت اتجاهاته وابعاده او الامبريالية العالمية والرجعية العربية.

لقد رفض محسن ابراهيم تحويل نفسه الى صاحب نظرية يطلق عليها الابراهيمية لأنه كان يرفض تقديس المقدس ويقدم نفسه كمناضل لبناني كما سائر المناضلين الآخرين. تعلمت من افكاره الكثير الكثير وعرفت كيف افكر بطريقة الواقع والتعامل مع الأوضاع والقضايا، من خلال طرح الأسئلة الصحيحة للوصول الى اجابات غنية وصحيحة. تعلمت كيف اتقبل الآخرين واقدم النقد لتجربتي الشخصية وان انفتح على الآخرين والابتعاد عن الأنا الكبرى، والاعتراف بالحقائق والتعامل مع الواقع كما هو من اجل البدء بالتغيير.

لذلك عرفت لماذا ابتعد محسن ابراهيم عن المسرح والخطابة الاعلامية والمهرجانات السياسية، وترك المساحة فارغة للهيجان الطائفي والمذهبي الذي بات يفرض نفسه على لبنان، وعلى ما تبقى من احزاب يسارية وقومية باتت تخدم مصالح وأجندات خارجية ومذهبية وطائفية على حساب المشروع الوطني. لقد عرفت مؤخراً لماذا رفض محسن ابراهيم كتابة مذكراته وتدوين ذاكرته الوطنية، في كتاب يترك للأجيال الكثير من الحقائق المجهولة بالنسبة للعديد من القضايا التي يملك معلوماتها، لكونه كان جزءاً من تلك الحقبة التي عاشها لبنان او كونه كان على تماس مع معلوماتها التي كانت تحاك ضد لبنان وشعبه. طبعاً لمحسن ابراهيم وجهة نظره الخاصة بعدم التدوين وللآخرين حق شرعي على ابو خالد لمعرفة خبايا وتفاصيل كل المرحلة السابقة. لكن ابو خالد لم يستسلم للواقع بل فضل الابتعاد عن المسرح الهزلي الذي عاشه لبنان ريثما تأتي لحظة مناسبة للخروج مجدداً امام الرأي العام، لكن تلك اللحظة لم تأتِ وجسده خانه واستسلم للمرض واغمض عينيه ليودعنا، ويذهب من جديد الى لقاء الاحبة جورج وكمال وياسر في عالم الافتراض.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.